يعكس الواقع الحالي للأسواق مفارقة اقتصادية شديدة التعقيد. فما بين أرقام رسمية تبشر بنمو الإنتاج وضخ مليارات الجنيهات في شرايين المشروع القومي للبتلو، وبين شكاوى متصاعدة من صغار المربين وفشل المواطن في مجاراة الأسعار تتسع الهوة يوماً بعد يوم.
هذه المفارقة تطرح تساؤلات جوهرية حول كفاءه آليات التنفيذ وقدرة الدعم على الوصول إلى المستحقين الحقيقيين. وهل تعاني المنظومة من خلل هيكلي في التوزيع؟ أم أن السوق يحتاج إلى أدوات رقابية ومتابعة ميدانية أشد صرامة لجني ثمار هذه المشروعات القومية؟
صغار المربين بين مطرقة الأعلاف وسندان الروتين
يواجه قطاع واسع من المنتجين المحليين تحديات هيكلية تعيق استفادتهم الحقيقية من المبادرات المعلنة. حيث تبرز مشكلات ارتفاع أسعار الأعلاف وتعقيدات التمويل كعقبات رئيسية تعرقل طموحاتهم الإنتاجية.
في هذا السياق، أكد إسلام جمال، أحد صغار المربيين، أن الدعم يبدو وكأنه حبر على ورق. مشيراً إلى الارتفاع الجنوني في أسعار الأعلاف، وتأخر قروض البتلو مع تعقيد إجراءاتها. و مطالباً بتمويل سريع منخفض الفوائد، وتوفير تحصينات مدعمة. ومنع ذبح العجول الصغيرة ليصل الدعم الفعلي إلى الحظيرة لا إلى البنك فقط.
الفجوة الهيكلية وغياب المظلة التأمينية
تُبلور الجهات الممثلة للمزارعين الأزمة في تركز المعوقات حول تكلفة الإنتاج. وغياب آليات الحماية الكافية لأصحاب الحيازات الصغيرة الذين يتحملون النسبة الأكبر من حجم الإنتاج القومي.
وقال حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، إن أزمة الثروة الحيوانية ترتكز على ارتفاع تكلفة الإنتاج وانعدام التأمين على الماشية. وأضاف أن صغار المربين الذين ينتجون 70% من الثروة هم الأقل استفادة. مطالباً بتبسيط إجراءات القروض وتفعيل دور الجمعيات الزراعية لضمان التوزيع العادل للدعم.
تمويلات ميسرة ومبادرات لزيادة المعروض
تدافع الجهات الحكومية عن خططها عبر الإعلان عن حزم مالية ضخمة وبرامج تنموية تستهدف توسيع قاعدة المستفيدين وضخ رؤوس جديدة في الأسواق لتلبية الاحتياجات المتزايدة للمواطنين.
وفي ذات الشأن، قال خالد جاد، المتحدث باسم وزارة الزراعة، إن المشروع القومي للبتلو وفَّر تمويلات ميسرة بلغت 11 مليار و173 مليون جنيه. استفاد منها أكثر من 46 ألف مربي وشاب لتسمين 539 ألف رأس ماشية. مع التوسع في استيراد عجول عالية الإنتاجية ضمن مبادرة حياة كريمة لتوفير فرص العمل وزيادة المعروض.
طفرة إنتاجية تصطدم بالواقع
تُراهن القطاعات الفنية بوزارة الزراعة على الأساليب العلمية الحديثة والتحسينات المستمرة. لتعظيم الاستفادة من رؤوس الماشية ورفع كفاءتها الإنتاجية من اللحوم والألبان.
وأشار الدكتور طارق سليمان، رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية، إلى نجاح برامج التحسين الوراثي في رفع معدل نمو العجل اليومي إلى 1.5 كجم بدلاً من 700 جرام. ورفع إنتاج اللبن للرأس إلى 20 كجم يومياً. فضلاً عن تطبيق ضوابط صارمة تمنع ذبح العجول التي تقل عن 400 كجم. لترتفع حصيلة اللحوم للرأس الواحدة إلى 250 كجم.
أين المشكلة؟
رغم كل هذه الأرقام التي تصدر عن جهات رسمية، لا يزال سعر كيلو اللحم بعيدا عن متناول شريحة كبيرة من المواطنين. وتتصاعد شكتوى صغار المربين. ما ينبئ بوجود أزمة تستلزم من الحكومة والقائمين على مشروع البتللو البحث عن حلول لها. سواء كانت متعلقة بوصول الدعم لمستحقيه أو بآليات التنفيذ. مع احتمالية أن يكون السوق في حاجة لوقت أطول لجني ثمار هذه المشروعات.