في مشهد يقلب كل الموازين، بات الريف المصري الذي لطالما وُصف بـ “سلة الغذاء” يواجه معادلة اقتصادية قاسية، فبدلاً من أن ينعم أبناؤه بأرخص الأسعار باعتبارهم أقرب الناس إلى مصدر الإنتاج، صاروا أول من يكتوي بنيران الغلاء.
اليوم تقف الحقول خضراء في القرى والنجوع، والمحاصيل تخرج من الأرض طازجة، لكنها لا تلبث أن تبدأ “رحلة عكسية” طويلة، تخرج من الغيط إلى أسواق الجملة الكبرى في المدن، ثم تعود مرة أخرى إلى القرية محملة بتكاليف النقل وهامش ربح الوسطاء، لتصل إلى المستهلك الريفي بسعر يفوق نظيره في المدينة أحياناً.
المفارقة لم تعد مجرد شكوى فردية، بل تحولت إلى ظاهرة تضرب الأمن الغذائي للأسرة الريفية في مقتل، فكيف لبلد زراعي أن يدفع الفلاح فيه فاتورة غلاء مضاعفة؟ ومن المستفيد من هذا التشوه في الدورة التسويقية؟
بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لشهر يوليو 2026، سجل التضخم في المناطق الريفية 16.8% مقابل 14.2% في الحضر، وكان الغذاء هو السبب الرئيسي.
“رحلة البضاعة العكسية”.. شهادات من الغيط
في قلب الأزمة بمحافظة المنوفية، بيروي _الحاج عبد المنعم همام_ مزارع من مركز أشمون المعاناة: “الأسمدة ولعت والتقاوي والمبيدات كل يوم بسعر، والسولار بتاع الري بقى خراب بيوت، ببيع الطن للتاجر بتراب الفلوس عشان أعرف أسد الديون، وبعد أسبوعين بشتري نفس المحصول من السوق بسعر الضعف”.
ونفس الصرخة من الحاجة زينب محمد ربة منزل: “الأراضي مليانة خضار وفاكهة ومحاوطاني من كل اتجاه، ومع ذلك بشتري خضار وفاكهة من السوق والباعة الجائلين بسعر أغلى من أسواق المدن”.
بينما الحاج محروس صلاح_ مزارع بيشرح اللعبة: “التجار والوسطاء بياخدوا المحصول من الغيط بأسعار زهيدة، ينقلوه لسوق العبور أو أسواق الجملة، وبعدين يرجع جزء منه للقرى عن طريق تجار التجزئة، الفلاح والمواطن شايلين تكلفة النقل المزدوجة وربح أكتر من وسيط”.
الفلاح والمستهلك خسرانين والوسيط هو الكسبان
وفي قلب الأزمة يضع حسين أبو صدام نقيب عام الفلاحين إيده على الجرح: “المأساة إن الفلاح والمستهلك الريفي الاتنين خسرانين، واحد بيبيع رخيص والتاني بيشتري غالي، والكسبان الوحيد هو التاجر والوسيط اللي في النص”.
وفسّر أبو صدام أسباب الكارثة: “الفلاح مضطر يبيع للتاجر اللي بيجيله الغيط عشان محتاج فلوس يسد ديونه، ومفيش جمعيات تشتري منه بسعر عادل ولا أسواق اليوم الواحد في القرى” ده بجانب زيادة السولار والبنزين اللي زودت عبء النقل، ويكمل: “لا يمكن أيضاً أن نتجاهل الاحتكار المحلي. ففي المدينة 100 تاجر بينافسوا بعض، وده بيخلق سوق تنافسي بيؤدي لانخفاض السعر، بينما في القرية تاجر واحد متحكم في البيع، هو اللي بيحط السعر والناس مضطرة تشتري بعيد عن رقابة أسواق الجملة”.
وطالب نقيب الفلاحين بدعم حقيقي للفلاح وتفعيل التعاونيات الزراعية، وعمل أسواق للمنتجين في كل مركز عشان نحميه من جشع الوسطاء”. واختتم: “مصر عندها أمن غذائي وإنتاج يكفي ويفيض بنصدر 10 مليون طن خضار وفاكهة، المشكلة مش في الإنتاج، المشكلة في سوء التوزيع وجشع تجار القرية”.
الحكومة والمديريات: الدورة التسويقية مقلوبة
من جانبه قال المهندس فخري منصور باز وكيل وزارة الزراعة بكفر الشيخ: “المشكلة الأساسية مش في حجم الإنتاج، إحنا بنزرع وبنغطي احتياجاتنا وبنصدر كمان، لكن الخلل الحقيقى في الحلقة اللي بين الغيط والمستهلك”.
وأوضح باز أن القرى الصغيرة تفتقر لأهم عنصرين: “أولاً مفيش أسواق جملة إقليمية داخل القرى أو المراكز، وثانياً مفيش ثلاجات تجميع وحفظ بتساعد الفلاح يحتفظ بمحصوله لحد ما السعر يتحسن، ده بيجبر الفلاح يبيع بسرعة وبأي سعر للتاجر اللي بيجيله”.
وتابع: “التجار الكبار بينزلوا يشتروا من الغيط بسعر بخس، يشحنوه سوق العبور يتسعر هناك، وبعدين تجار التجزئة في القرى يرجعوا يشتروه تاني ويدفعوا نقل زيادة، وطبعا حركة النقل المتكررة دي بتسبب تلف لكتير من الخضروات والفواكه، وكل ده بيتحمله المستهلك النهائي”.
وشدد وكيل وزارة الزراعة على أن الحل يبدأ من تحت: “لازم ننشئ نقاط تجميع وثلاجات في كل مركز، ونرجع دور الجمعيات الزراعية في التسويق، لو ربطنا الفلاح مباشر بالمستهلك هنوفر 30% من السعر، مؤكدا الدولة شغالة على ملف الزراعة التعاقدية والإرشاد، بس محتاجين تكاتف من المحليات والقطاع الخاص عشان نكسر الدايرة دي”.
البرلمان: لازم نكسر احتكار الوسطاء
النائب ياسر عرفه عضو لجنة الزراعة بيقول: “تفتيت الحيازة والتعديات قللت المعروض، ولازم الدوله تتدخل بشكل أسرع وحازم للتصدى لظاهرة التعدى على الأراضى الزراعيه، وأضاف والحل في إحياء التعاونيات بجد، وتفعيل الزراعة التعاقدية، وعمل نقاط تجميع في كل مركز”.
واستكمل: “أزمة الحلقات الوسيطة هي التحدي الأكبر، بننسق مع وزارة الزراعة للتوسع في الزراعة ولازم تشديد الرقابة ودعم سيارات الشباب والمنافذ المتحركة”.
في النهاية الريف اللي كان “سلة الغذاء” بقى بيدفع فاتورتين: فاتورة المواصلات اللي بتلف بالمحصول من الغيط للجملة وترجع تاني، وفاتورة الوسطاء اللي بياخدوا المكسب الأكبر.
والسؤال اللي بيتكرر على الحكومة والبرلمان: إزاي بلد زراعي يكون الفلاح فيها أغلى واحد بيشتري خضاره؟ وإمتى هنرجع الريف “سلة الغذاء” فعلاً مش “ضحية الغلاء”؟