في رمضان، حيث الزحام والأجواء الرمضانية تسيطر على كل الشوارع، تتحول منطقة وسط البلد لتأخذ شكلًا جديدًا. فبرغم زحامها المستمر طوال العام، إلا أن هذا في رمضان يأخذ شكلًا آخر؛ فيزداد النور في الشوارع، ويأتي صوت الأذان من كل صوب، وتذهب الناس بشكل أسرع لتلحق بصلاة التراويح.
وتُعد المساجد في وسط البلد أكثر من أماكن للصلاة فقط، بل هي جزء من الإيقاع اليومي للمدينة، ومحطات ثابتة وسط ضوضاء القاهرة.

مسجد “عمر مكرم”
في قلب هذا المشهد، يأتي مسجد عمر مكرم القابع بميدان التحرير، مما جعله من أشهر مساجد وسط البلد، وعُرف بازدحامه الكبير خاصة في صلاة الجمعة وفي رمضان، ويستقبل المصلين من كل الفئات: الموظفين والطلبة، وسكان المنطقة، وحتى أناسًا جاؤوا خصيصًا للصلاة فيه.
تاريخيًّا، يحظى المسجد بحضور سياسي واجتماعي هام، فكان شاهدًا على تحولات ميدان التحرير ومدينة القاهرة. في رمضان، تزدحم الساحات من حوله قبل التراويح، مما يضطر بعض المصلين أحيانًا للصلاة في الخارج بسبب كثافة الأعداد.

مسجد “الفتح”
ومن ميدان التحرير إلى ميدان رمسيس، يظهر مسجد الفتح كأحد أكبر مساجد المنطقة وأكثرها حيوية. قربه من محطة القطار ومجمع المواصلات جعله مسجدًا للعابرين بامتياز.
أشخاص قصدوه من مختلف محافظات مصر، بين مسافر وباعة، جميعهم أتوا للصلاة فيه. يتميز المسجد بمساحته الواسعة ومئذنته العالية، وفي رمضان يصبح نقطة تجمع إنسانية واضحة تبرز في أكثر من مشهد: ناس تصلي قبل السفر، أسر تحاول أن تستريح قليلًا من جهد السفر، وشباب جاؤوا لصلاة التراويح.

مسجد “الشيخ معروف”
وفي الشوارع الأكثر هدوءًا وبالقرب من باب اللوق، يقدم مسجد الشيخ معروف نموذجًا مختلفًا، بُني منذ أكثر من مائة عام، مسجد شعبي قديم، الغالبية من زواره هم سكان المنطقة والموظفون من حوله. وعلى الرغم من صغر مساحته مقارنة بمساجد الميادين الكبرى، إلا أنه يتمتع بتأثير اجتماعي كبير، خاصة في شهر رمضان، ويهدأ الشارع من حوله وقت الصلاة، ولصلاة التراويح فيه طابع روحاني يُستشعر فيه روح الجيرة ولمّة الناس معًا.

مسجد “الرحمة”
وعلى بُعد خطوات، نجد مسجد الرحمة في باب اللوق، تحديدًا بشارع صبري أبو علم، والذي يخدم الباعة والمارة وسكان الشوارع الجانبية.
وموقعه وسط منطقة تجارية جعله مساحة فاصلة بين البيع والشراء ولحظة هدوء قصيرة. وفي رمضان، صوت الأذان فيه يوقف حركة الحياة لثوانٍ قليلة، ليذهب الباعة والزبائن لصلاتهم، ثم يعودون لاستكمال الحياة بروح أخف.
لذلك، نجد في مساجد وسط البلد خريطة روحية موازية لخريطة الشوارع المزدحمة والمثقلة بأعباء سكانها. بدءًا من الميادين الكبيرة وحتى الممرات الضيقة، تظل المساجد هي القلب النابض الذي يجمع أناسًا جاؤوا من اتجاهات مختلفة، وفي رمضان تظهر الروح الإسلامية بوضوح في تفاصيل صغيرة مثل: صفوف الصلاة، والدعاء الجماعي، ولمّة الغرباء في مكان واحد.
وسط البلد بزحامها وضوضائها لا تزال تثبت أن هناك مساحات للسكينة بداخلها.