في توقيت عالمي مشحون بصراعات أعادت رسم موازين القوى، وتحديداً بعد الهزات الارتدادية للحرب الإيرانية الأمريكية، تبرز تركيا كلاعب يسابق الزمن لتعزيز ترسانته الصاروخية.
فبينما تضج وسائل الإعلام التركية بالحديث عن صواريخ باليستية تتجاوز مداها آلاف الكيلومترات، يبرز تساؤل استراتيجي: هل نحن أمام قفزة تكنولوجية حقيقية وضعت أنقرة في نادي الكبار، أم أن الأمر لا يتجاوز “الضجيج السياسي” لرفع سقف الردع؟
سيادة وطنية بـ “نكهة صاروخية”
يرى الباحث في العلاقات الدولية و الشأن التركي، أبو بكر خلاف، أن ما تشهده تركيا حالياً ليس مجرد دعاية إعلامية، بل هو انعكاس لبيئة عالمية متوترة لم تعد تعترف بالتحالفات التقليدية وحدها، ويؤكد خلاف لـ”القصة” أن أنقرة قررت ضخ استثمارات ضخمة في صناعتها الدفاعية لتقليل الاعتماد على الخارج وضمان “الاستقلال الاستراتيجي”.
ويوضح خلاف أن الحديث التركي عن امتلاك صواريخ يتجاوز مداها 800 كيلومتر، والعمل على برامج تصل إلى 2000 كيلومتر، يعكس مساراً دفاعياً طويلاً و متدرجاً، يهدف إلى بناء “عائلة صاروخية متكاملة” تضمن لأنقرة قدرة ردع إقليمية واسعة.
من “تايفون” إلى “جزغين”.. عائلة الردع التركية
و يشير خلاف إلى أن صاروخ “تايفون” (TAYFUN) يمثل حجر الزاوية في هذا التطور، فهو أطول صاروخ باليستي تركي أنتج محلياً، مع اختبارات ناجحة لنسخه الأولى. ووفقاً لخلاف، فإن الحديث يتصاعد الآن حول نسخ أكثر تطوراً مثل “TAYFUN Block-4″، بالتزامن مع مشروعات أخرى مثل “CENK” و”GEZGİN”.
هذا التنوع يوحي بأن تركيا لا تبحث عن “سلاح منفرد”، بل تعمل على بناء منظومة ردع شاملة تشمل الصواريخ الباليستية والمجنحة، لتكمل تفوقها الذي حققته سابقاً في مجال المسيرات والمدرعات.
رسائل سياسية بـ “أدوات عسكرية”
رغم التطور الحقيقي، لا يغفل الباحث أبو بكر خلاف البعد السياسي لهذه الإعلانات، قائلاً إنه هي “رسائل ردع واضحة للداخل والخارج” تفيد بأن تركيا دخلت رسمياً مجال القدرات الصاروخية الاستراتيجية، ومع ذلك، يضع خلاف “جرعة واقعية” للمشهد، مؤكداً أن الحديث عن منظومة “بعيدة المدى” تتجاوز 2000 كم مكتملة وجاهزة عملياتياً لا يزال بحاجة إلى تأكيد عملي كامل.
ويصف خلاف الحالة التركية بأنها “انتقال تدريجي” نحو بناء ردع بعيد المدى، مشدداً على أن الأرقام التي تتحدث عن آلاف الكيلومترات يجب قراءتها حتى الآن باعتبارها “إشارة إلى الطموح والتخطيط الاستراتيجي”، وليست بالضرورة دليلاً نهائياً على امتلاك القدرة الكاملة في هذه اللحظة.
تركيا والبحث عن “ميزان القوى”
إن إعلان تركيا عن قدراتها الصاروخية هو جزء من سباق تسلح إقليمي محموم، تسعى فيه أنقرة لفرض نفسها كقوة مستقلة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة أمنية مستقبلية.
وبين الطموح العسكري والرسالة السياسية، تظل “الصواريخ التركية” ورقة ضغط قوية تعيد ترتيب أوراق القوة في منطقة لا تعترف إلا بلغة الردع.