قبل أن يبدأ العام الدراسي، تبدأ رحلة أخرى لا تقل إرهاقًا بالنسبة إلى الأسر المصرية: البحث عن الزي المدرسي. طقم يحتاجه الطالب في المدرسة، لكنه بالنسبة إلى ولي الأمر فاتورة جديدة تضاف إلى قائمة طويلة من المصروفات؛ حقيبة وحذاء وأدوات مكتبية وكتب خارجية، ثم مصروفات تتكرر طوال العام.
في مدينة الحوامدية بالجيزة، مساء الأربعاء لم تكن أسعار الملابس المدرسية مجرد أرقام معلقة داخل المحال. بالنسبة إلى المواطنين الذين تحدثنا إليهم، كانت الأسعار اختبارًا جديدًا لقدرة الأسرة على تدبير احتياجات أبنائها، خصوصًا عندما يكون لديها أكثر من طالب.
الطقم وصل لـ400
يقول مواطنون التقى معهم “القصة” خلال جولتها بين محال الملابس المدرسية إن سعر الطقم الواحد يتراوح حاليًا بين 280 و400 جنيه، بحسب المرحلة الدراسية ومكونات الزي.
لكن الطقم ليس نهاية الحساب. فالحقيبة، بحسب ما يقول المواطنون، قد تتجاوز 600 جنيه، بينما يبدأ سعر الحذاء من 450 جنيهًا، لتأتي بعد ذلك الأدوات المدرسية والكتب الخارجية التي يحتاج إليها الطالب على مدار العام.
بالنسبة لأسرة لديها طفل واحد، قد تبدو هذه المصروفات قابلة للتدبير على مراحل، لكن الحساب يتغير عندما يكون هناك أكثر من طالب في مراحل دراسية مختلفة.
يقول مواطنون إن ولي الأمر قد يجد نفسه مطالبًا بشراء ثلاثة أطقم كاملة لأبنائه، إلى جانب باقي المستلزمات، بينما لا يتغير راتبه بالسرعة نفسها التي تتغير بها الأسعار.
هنا لا يتوقف السؤال عند “بكام الطقم؟”، بل يمتد إلى سؤال أكبر: من المسؤول عن وصوله إلى هذا السعر؟
فبعض المواطنين يرون أن أصحاب المحال والتجار يبالغون في الأسعار، بينما يرى آخرون أن الظروف الاقتصادية أصبحت تفرض نفسها على كل حلقات البيع، وأن الأسرة في النهاية هي الطرف الذي يدفع الفاتورة.
“مكسبنا مش كبير”
من المحال، تبدو الصورة مختلفة. أصحاب محال الملابس المدرسية الذين تحدثنا إليهم لا ينكرون ارتفاع الأسعار، لكنهم يرفضون أن يكون ارتفاع سعر البيع دليلًا على تحقيق أرباح كبيرة.
يقول أصحاب المحال إنهم يشترون الأطقم من التجار بأسعار تتراوح بين 260 و330 جنيهًا، وفقًا للمرحلة الدراسية، وبالتالي فإن الفارق بين سعر الشراء وسعر البيع لا يمثل بالنسبة إليهم مكسبًا كبيرًا.
ويشرحون أن هامش الربح في بعض الأطقم لا يتجاوز 20 جنيهًا، بينما يصل في أطقم أخرى إلى نحو 70 جنيهًا.
قد يبدو مبلغ 70 جنيهًا مرتفعًا للمواطن الذي يقف أمام المحل ويدفع ثمن الطقم، لكن أصحاب المحال يقولون إن هذا الرقم لا يمثل صافي الربح بعد حساب باقي التكاليف.
أحد أصحاب المحال يشير إلى أن إيجار المحل يتجاوز 10 آلاف جنيه شهريًا، بخلاف الكهرباء والمصروفات الأخرى، فضلًا عن الالتزامات الأسرية.
لذلك، يقول أصحاب المحال إنهم يحاولون خفض الأسعار لمساعدة المواطنين، لكنهم لا يستطيعون البيع بأقل من تكلفة الشراء، كما حاولوا التفاوض مع التجار لخفض الأسعار، دون أن يتمكنوا من الوصول إلى أسعار أقل.
وبينما يرى المواطن أن صاحب المحل هو من يحدد السعر، يرى صاحب المحل نفسه أن الزيادة بدأت قبله.
الخيط يعود إلى التاجر
إذا كان صاحب المحل يشتري الطقم بـ260 إلى 330 جنيهًا، فالسؤال التالي يصبح: لماذا يبيعه التاجر بهذه الأسعار من الأساس؟
تواصل “القصة” مع عشرة تجار متخصصين في الملابس المدرسية، وكان القاسم المشترك في إجاباتهم أن ارتفاع تكلفة الخامات يمثل السبب الرئيسي وراء زيادة أسعار الملابس.
لا يتحدث التجار هنا عن سعر القماش فقط، وإنما عن سلسلة تبدأ من الخامة وتمتد إلى الصبغات ومستلزمات التصنيع، ثم النقل والشحن.
ويقول التجار إن سعر متر قماش الدريل، وهو من أقمشة التويل المصنوعة من البوليستر والقطن، يبدأ من 100 جنيه ويصل إلى 130 جنيهًا.
أما قماش البيكا، سواء المخلوط أو الإسبن، فيتراوح سعر الكيلو منه بين 220 و280 جنيهًا، باعتبار أن أقمشة التريكو تباع بالكيلو وليس بالمتر.
وفي التيشيرتات المدرسية المصنوعة من القطن بنسبة 100%، يبدأ سعر كيلو «سنجل ليكرا» من 320 جنيهًا ويصل إلى 380 جنيهًا.
أما البنطلونات المستخدمة في الزي المدرسي للمرحلتين الإعدادية والثانوية، فيدخل في تصنيعها قماش الترجال، وهو خليط من الصوف والبوليستر، ويتراوح سعر المتر منه بين 130 و180 جنيهًا.
كما يتراوح سعر متر الجابردين بين 140 و200 جنيه، وفقًا لما ذكره التجار.
الصبغة والشحن يدخلان الحساب
لا يرى التجار أن ارتفاع أسعار الأقمشة جاء منفصلًا عن باقي تكاليف الإنتاج.
ويقولون إن أسعار الصبغات المستخدمة في تلوين الأقمشة ارتفعت، إلى جانب تكلفة بعض الأدوات والمستلزمات المستوردة من الخارج، وهو ما يرفع تكلفة المنتج قبل وصوله إلى التاجر ثم صاحب المحل.
ويضيفون أن ارتفاع تكلفة الشحن، بالتزامن مع زيادة أسعار البنزين، ينعكس بدوره على السعر النهائي.
وبذلك تصبح قطعة الملابس التي يراها المواطن معلقة على شماعة داخل المحل هي النتيجة الأخيرة لسلسلة من التكاليف؛ تاجر يشتري خامات، وتصنيع يحتاج إلى مستلزمات، ونقل يضيف تكلفة أخرى، ثم محل يتحمل إيجارًا وكهرباء ومصروفات تشغيل.
لكن هذه السلسلة، مهما كانت أسبابها، لا تغير شيئًا بالنسبة إلى الأسرة التي تقف أمام المحل في نهاية المطاف.
من يدفع الثمن؟
في الحوامدية، لم يجد المواطن الذي يستعد لشراء الزي المدرسي إجابة حاسمة عن سؤال “مين السبب؟”.
المواطن يرى السعر النهائي ويشعر بثقله، وصاحب المحل يقول إن هامش ربحه محدود وإنه نفسه يشتري بسعر مرتفع، بينما يحمّل التجار ارتفاع الخامات وتكاليف الإنتاج والنقل مسؤولية الزيادة.
وحتى مع إعلان شعبة الملابس الجاهزة، استقرار أسعار الزي المدرسي خلال الموسم الحالي، وربط ذلك باستقرار أسعار الخامات وعدم وجود زيادات جديدة في تكاليف الإنتاج، تظل الأسعار التي يواجهها المواطن على أرض الواقع هي نقطة الخلاف الأساسية. في النهاية، لا تبدو أزمة الزي المدرسي مجرد خلاف على هامش ربح بين تاجر وصاحب محل، وإنما حلقة أخرى في سلسلة أوسع من ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويبقى السؤال الذي بدأنا به الجولة ولم تنتهِ عنده الإجابات: إذا كانت كل حلقة في السلسلة تقول إنها ليست السبب، فمن يتحمل تكلفة الزيادة؟ والأهم: متى تنخفض أسعار الخامات بما يكفي لتصل آثارها إلى جيب الأسرة المصرية؟