في الوقت الذي كانت فيه “إسرائيل” تراهن على الدعم الأمريكي غير المشروط، تتبدل موازين القوة داخل واشنطن نفسها. فبين إدارة تسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من فشل السياسات السابقة، وتحولات دولية أضعفت صورة “إسرائيل” أمام العالم، يبرز سؤال مركزي: هل اقتربت نهاية التحالف الأمريكي–الإسرائيلي بصيغته المطلقة؟ وهل يستطيع بنيامين نتنياهو مواصلة الرهان على خطة ترامب التي انقلبت موازينها؟
في هذا التقرير، وبالنظر إلى بنود اتفاق غزة، يجمع موقع القصة بين رؤيتين تحليلية من اثنين من أبرز الخبراء:
الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والدكتور أحمد فؤاد أنور أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة الإسكندرية.
كلاهما يقدم قراءة متعمقة في مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب بعد فشل الرهان العسكري والسياسي في غزة.
نتنياهو بين الولاء والانقلاب على ترامب
يقول الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن العلاقة بين نتنياهو وترامب كانت في أصلها قائمة على المصالح المشتركة، إلا أن الموازين بدأت تتغير بعد إخفاقات “إسرائيل” في الميدان.
ويقول د. حسن نافعة: “يدرك نتنياهو أن دونالد ترامب هو صديق ‘إسرائيل’ الصدوق، وأنه قدّم لها ما لم يستطع أي رئيس أميركي آخر أن يقدمه. ففي فترة ولايته الأولى (2017-2020)، نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس التي اعترف بها عاصمة أبدية موحّدة لـ’إسرائيل’، ووافق على ضم ‘إسرائيل’ هضبة الجولان السورية…”
ويضيف: “غير أن نتنياهو، رغم إدراكه لأهمية الخطة، حاول إفراغها من مضمونها قبل إعلانها رسميًا، وحين فشل لم يجد أمامه سوى التظاهر بتأييدها والسعي سرًا لإجهاضها.”
ويرى نافعة أن خطة ترامب، رغم ما منحته لـ”إسرائيل”، حملت في طياتها التزامات لا يرغب نتنياهو بالوفاء بها، مثل التعهد بعدم ضم قطاع غزة أو احتلاله؛ “لذا، قرر نتنياهو أن يوافق عليها في العلن ليحصل منها على ما يناسبه، ثم يسعى بعد ذلك للتنصل مما لا يناسبه.”
ويختم نافعة: “ربما تكون هذه هي اللحظة التي يدرك فيها ترامب أن إسرائيل أصبحت في حاجة ليس إلى من يقف إلى جانبها، بل إلى من ينقذها من نفسها.”
الولايات المتحدة تعيد حساباتها
أما الدكتور أحمد فؤاد أنور، أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة الإسكندرية، يقدم رؤية أكثر تفصيلًا عن التغيرات الأمريكية الجارية، معتبرًا أن واشنطن باتت تعاني من “فاتورة أخلاقية وقانونية واقتصادية” نتيجة دعمها غير المشروط لـ”إسرائيل”، وأنها بدأت مراجعة حقيقية لموقفها.
وقال فؤاد لـ موقع القصة: “أرى أن الولايات المتحدة تستخدم الحرب النفسية وتستخدم أقصى قوة عسكرية ممكنة… لكي يفر السكان، لكي تأتي كائنات فضائية تقوم بالمهمة نيابة عن الجانب الأمريكي والإسرائيلي، تمثلت في تطوع جهة ما بالقيام بمهام إخلاء غزة من السكان.”
وأضاف: “الأمور الثانية أقرب لمخاطبة الأطفال، فالجانب الإسرائيلي لديه إمكانيات تقنية مبهرة وقوة ردع، لكن على أرض الواقع اضطرت أمريكا إلى إرسال وحدات للدفاع الجوي والبحرية والجوية وشاركت في الدفاع والهجوم بالنيابة عن إسرائيل”.
وأشار أنور إلى أن “هذا يدل على وهم الإمكانيات العسكرية الإسرائيلية”، وأن “الولايات المتحدة خسرت عناصر من جيشها في الرصيف الإغاثي، وهناك فاتورة أخلاقية واقتصادية تترتب على دعم الاحتلال”.
ويرى أنور أن “الجانب الإسرائيلي يتخوف من انقلاب أمريكي على الدعم الكامل له، وربما يكون ترامب آخر رئيس منحاز بالكامل لإسرائيل”.
ثم يضيف: “الولايات المتحدة انقلبت على زيلينسكي بعد دعمه، وربما يتكرر المشهد مع نتنياهو، كما حدث مع طالبان حين انسحبت واشنطن وتركت الأسلحة بعد 20 سنة.”
ويقول: “في ظل فشل الحل العسكري وصمود الشعب الفلسطيني، وفي ظل الموقف المصري الرافض للتهجير، انفتح مسار تفاوض مباشر لأول مرة بين حماس والجانب الأمريكي، بل نالت حماس إشادة من الرئيس الأمريكي باعتبارهم راغبين في سلام دائم”.
ويؤكد أنور أن “ترامب فتح الباب لإعادة التفاوض بشأن نزع السلاح، لكن المقاومة لا تملك مخازن يمكن مراقبتها، وبالتالي لا يمكن نزع سلاحها بالقوة، ما يجعل التحولات المقبلة داخل أمريكا وإسرائيل عميقة جدًا”.
ويختم تصريحه قائلًا: “هناك مراجعات درامية في واشنطن قد تدفعها لإنقاذ سمعتها وإعادة بعض الحقوق للشعب الفلسطيني، لتبدو في الوقت نفسه وكأنها عاصمة ناضجة تحقق السلام وحقوق الإنسان أو الحد الأدنى منه، وهو الحق في الحياة كما تروج أمريكا الآن”.
تحالف على حافة الانهيار
بين تحليلي نافعة وأنور، يتضح أن التحالف الأمريكي–الإسرائيلي لم يعد كما كان واشنطن باتت تدرك أن صك الغفران المطلق لتل أبيب بات عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا، بينما يسعى نتنياهو بكل الطرق لتجنب الانهيار الداخلي.
في المقابل، يتجه الموقف الدولي نحو مراجعات أكثر جرأة، ربما تُمهد لمرحلة جديدة من البراغماتية الأمريكية التي قد تتخلى عن فكرة “التحالف الأبدي” لصالح اتزان إستراتيجي يحافظ على المصالح لا الأشخاص.