بعد جدل واسع ثار على خلفية زواج الفنانة منة شلبي ومدى دقة أدوات الذكاء الاصطناعي والاطمئنان للنتائج ، ظهرت تفاصيل كثيرة بات من المهم أن تروى حول أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها جزءا من أدوات العمل الصحفي، وهو أمر يطرح إشكاليات كبيرة، خاصة عند التعامل مع معلومات حساسة تخص شخصيات عامة أو وثائق رسمية، إذ يمكن أن يؤدي الاعتماد الكلي على هذه الأدوات إلى نشر معلومات خاطئة أو انتهاك خصوصية الأفراد، ومن هنا تظهر أهمية التوازن بين استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، والاعتماد على الخبرة البشرية والمصادر المباشرة في العمل الصحفي.
“القصة ” ناقش عددًا من الخبراء، وبات هناك ما يشبه الاتفاق على أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أظهر نتائج متباينة، فالصحفي المحترف يجب أن يدمج بين التحليل الرقمي والمراجعة البشرية الدقيقة، مع فهم عمل الأدوات وتقييم النتائج بعقل تحليلي.
المصادر أكدت، أن عملية التحقق من المعلومات أصبحت ضرورة أساسية في الصحافة الحديثة، وأن السبق وحده لا يكفي إذا تم على حساب الدقة والمصداقية، وأن أدوات الذكاء الاصطناعي والمصادر المفتوحة هي أدوات مساعدة، لا يمكن أن تحل محل الخبرة البشرية، بل تكملها وتزيد من كفاءة الصحفي في التحقق من المعلومات بدقة وموضوعية.
التحقق الصحفي: أدوات وقيود
موقع “القصة” تواصل مع عدد من الزملاء الصحفيين العاملين في مجال التحقق الصحفي لمناقشة التحديات والصعوبات في التحقق من المعلومات.
الزميلة منة عبد الرازق أوضحت أن عملية التحقق من أي ادعاء على مواقع التواصل الاجتماعي تتضمن شقين: الادعاء نفسه، والصورة أو الفيديو المصاحب له. قد يكون الادعاء صحيحًا لكن الصورة قديمة أو مفبركة، أو العكس، وهنا يأتي دور الصحفي في التحقق من كل العناصر، مع استخدام الأدوات الرقمية كوسائل مساعدة، لكن التواصل المباشر مع المعنيين بالخبر يظل الأداة الأكثر موثوقية.
وأكدت عبد الرازق لـ “القصة”: استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لا يعني استبدال الصحفي بها، بل تكمل عمله وتسهله، مشيرة إلى أن وكالات الأنباء الدولية غالبًا ما تستخدم لغة الترجيح عند التعامل مع محتوى مجهول المصدر، إذ لا يمكن التأكد بنسبة 100٪، وأن لغة التحليل تختلف حسب مستوى اليقين في كل حالة.
وأضافت: التحدي لا يقتصر على الصحافة وحدها، بل يشمل كل مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أن حالة عدم اليقين تزيد من فقدان الثقة في الإعلام. لذلك، يعتمد الصحفي على خطوات التحقق التقليدية: التدقيق في المكان، التحليل الجغرافي، مقارنة الصور والفيديوهات، التواصل مع المصادر الرسمية، والتمحيص في سياق المعلومات المنشورة.
وشددت على أن الصحفي يجب أن يكون مطلعًا على علم الذكاء الاصطناعي وفهم أدواته، ليتمكن من تقييم النتائج واستخدامها بشكل عقلاني، حيث تعمل الأدوات كأداة مساعدة وليست بديلة، وتضاف إلى محفظة أدوات الصحفي لضمان الدقة والمصداقية.
التحديات الأساسية للتحقق
الصحفية دينا أبو المعارف أشارت إلى أنه لا توجد أداة حالية تستطيع تأكيد بنسبة 100٪ ما إذا كانت وثيقة معينة مولدة بالذكاء الاصطناعي أم لا، الأدوات تعطي احتمالية فقط، ويظل العنصر البشري ضروريًا، خاصة عند التعامل مع أحداث تتعلق بأشخاص يمكن التواصل معهم مباشرة.
وأضافت: هناك أبعاد أخلاقية مهمة، فمن غير الأخلاقي انتهاك خصوصية الشخصيات العامة في أجزاء اختارت حجبها عن الجمهور، دور الصحفي يقتصر على طلب تعليق من المصادر المتاحة، مع استخدام الأدوات كوسيلة مساعدة، وليس الاعتماد عليها وحدها.
خلاصة: دور الخبرة البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي
وفقًا لـ أحمد جمال، فإن أبرز التحديات التي تواجه الصحفيين اليوم تتمثل في:صعوبة الوصول إلى المصدر الأصلي: “فبدون معرفة المصدر، تظل احتمالية صحة المعلومة أو خطئها غير مؤكدة”.
فالتحديات في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي: الصحفي يجب أن يكون صاحب السلطة، ويستعين بالأدوات للاستشارة أو المراجعة فقط.
وأوضح: هناك مخاطر للاعتماد الكلي على هذه الأدوات لأنها قد تنحرف عن الهدف إذا استخدمت بدون توجيه بشري، وتظل محدودة في الإبداع.
لذلك على الصحفيين التحلي بثقافة التحقق قبل النشر: “المؤسسات الكبرى تعتمد وحدات للتحقق قبل النشر، بينما بعض المنصات ما تزال تركز على السبق على حساب الدقة” يواصل جمال.
الدكتور حسام النحاس، أستاذ الإعلام بجامعة بنها والخبير الإعلامي، قال في تصريح خاص لموقع “القصة”: بالطبع تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي مهمة في مجال الصحافة وفي عمليات التحقق من صحة بعض الصور، بعض الفيديوهات، وبعض المعلومات والبيانات، وهناك تطبيقات وتقنيات متعارف عليها لدى الصحفيين ولدى المؤسسات الإعلامية، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من عمليات التحرير والتغطية وكثير من الصحفيين أصبح لديهم من الخبرة ما يسمح لهم باستخدام تلك التقنيات، كما تعقد النقابات والمؤسسات الإعلامية دورات تدريبية على يد خبراء ومتخصصين للتعامل مع تلك التقنيات.
الذكاء الاصطناعي بين التزوير والتحقق
وأضاف “النحاس”: للأسف، مازال العمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي يفتقد إلى مزيد من الخبرة والممارسة والتدريب فالتقنيات مهمة، نعم، ولكن لها استخدامات محددة، ولا يجب الاعتماد عليها وحدها في عمليات التحقق، فقبل وجودها كان لدينا وسائل وأدوات مهنية معتمدة للتحقق من صحة الأخبار والمعلومات.
وأوضح “النحاس”: أن هذه التقنيات أصبحت تمثل خطرًا على المهنة، فأحيانًا تكون هي نفسها الأداة المستخدمة في التزييف، سواء تزوير الصوت والصورة أو بعض المعلومات والأخبار، يحدث ذلك بإتقان كبير حتى يصبح من الصعوبة بمكان على المتخصصين اكتشاف زيف المعلومات والصور والفيديوهات.
وأكد أن التطور في هذه التقنيات يسير على بعدين: البعد الأول في عمليات التزييف، والبعد الآخر في كشف التزييف، لكن التركيز الحقيقي غالبًا يكون على التزييف وليس على كشفه والتحقق منه.
وأكد: قبل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، لا يمكن الاعتماد عليها وحدها لإثبات صحة أو تزييف أي وثيقة. يجب الاعتماد أولًا على المصادر الشخصية، مثل المعنيين بالخبر أو المقربين أو من حضروا توقيع الوثيقة، ثم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل موازٍ للتحقق والتحليل، وليس كأداة تأكيد نهائي.
وختم الدكتور النحاس تصريحه لموقع “القصة” قائلاً: النصيحة دائمًا هي أنه لا يمكن الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لإثبات أو تزييف أي معلومة أو خبر بشكل كامل بنسبة 100٪، لأنها تقنيات مساعدة وليست موثوقة بنسبة كاملة.