لم يعد المشهد اليوم يُقرأ من داخل الجغرافيا السورية وحدها، بل من داخل خريطة أوسع تمتد من واشنطن إلى تل أبيب، ومن أنقرة إلى موسكو وطهران. فما جرى في سوريا لم يكن مجرد حرب أهلية، ولا صراعًا داخليًا على السلطة، بل كان عملية إعادة هندسة شاملة للشرق الأوسط، شاركت فيها قوى الإقليم والعالم معًا، لإعادة توزيع الأدوار والولاءات والمغانم.
وبدا أن اللحظة التي انهارت فيها الدولة السورية، انهارت معها سردية الجهاد الإسلامي، من القاعدة إلى النصرة، ولم يبقَ سوى الفراغ.
لقد بدأت القصة في ظاهرها كتمردٍ داخلي، وانتهت بوصفها جزءًا من مشروع دولي، تحرّكه الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا، كلٌّ وفق حساباته الخاصة. فرأت إسرائيل في تفكك سوريا فرصةً تاريخية لتوسيع نطاق احتلالها في الجولان، وتدمير ما تبقى من الجيش السوري. ووجدت تركيا في الانهيار بابًا مفتوحًا لتحقيق طموحاتها القديمة في الشمال السوري، واستعادة نفوذها في المجال العثماني المفقود.
أما واشنطن، فقد أدارت اللعبة طوال سنوات من الخلف؛ لم تكن تريد إسقاط النظام تمامًا، ولا بقاءه كاملًا، بل إعادة تشكيله بما يضمن أمن إسرائيل أولًا، واحتواء إيران وروسيا ثانيًا، وإبقاء سوريا رهينةً لمعادلاتها الإقليمية إلى الأبد. إلى أن وقعت تلك التحولات الكبرى التي فاجأت الجميع بانهيار نظام الأسد وهروبه إلى موسكو.
في هذا السياق العاصف، لم تكن التحولات الدراماتيكية داخل الساحة السورية سوى انعكاس مباشر لتبدّل موازين القوى في الإقليم. وهنا تبرز أكثر الحكايات تعبيرًا عن هذا التحول من الجولاني إلى الشرع ليس انتقالًا بين شخصين، بل بين صورتين متناقضتين لرجلٍ واحد، تتجلى فيهما مأساة زمنٍ كامل تسوده المتناقضات التي تبحث عن تفسيرٍ مقنع، فلا تجد إلا مزيدًا من الالتباس.
ليست القصة انتقالًا بين شخصين، بل انقلابًا داخل رجلٍ واحد جمع في مساره كل تناقضات الزمن العربي والإسلامي الراهن. فأبو محمد الجولاني، الذي عرفه العالم منخرطًا في تنظيم القاعدة في العراق، ثم زعيمًا لجبهة النصرة في سوريا، هو نفسه أحمد حسين الشرع، الذي يُقدَّم اليوم رئيسًا مؤقتًا لسوريا بعد سقوط نظام الأسد، في مشهدٍ يرسم ملامح تحالفٍ جديد تقوده أمريكا وتركيا وإسرائيل، بمشاركة عربية مباشرة، أو بصمتٍ يُتقن التواطؤ.
من الجهاد ضد الاحتلال الأمريكي في العراق، إلى زيارةٍ رسمية للبيت الأبيض. من مواجهة واشنطن إلى مصافحتها. ومن قيادة تنظيمٍ على قوائم الإرهاب إلى رئاسة دولةٍ ترعاها الإدارة الأمريكية — يمتد مسارٌ طويل من الدم إلى الدبلوماسية، ومن الخندق إلى المكتب البيضاوي.
الشرع، الذي يقف اليوم أمام الرئيس ترامب ويظهر في البرامج التلفزيونية الأمريكية كـ”زعيمٍ معتدل”، هو ذاته الجولاني الذي كان قبل سنوات يُعلن الجهاد ضد الغرب بأسره. صورته الأخيرة، وهو يلعب كرة السلة مع قادة من إدارة ترامب، تختصر هذا التحول الرمزي: من عقيدة المواجهة إلى ذهنية التفاهم، ومن القتال ضد أمريكا إلى السعي لمكانٍ في نظامها الدولي.
لكن هذا التحول لا يُقرأ بوصفه مسارًا شخصيًا فحسب، بل كنتاجٍ مباشرٍ لاتجاهٍ إسلامي خرج من رحم القاعدة والإخوان معًا، ووجد في تركيا مظلته السياسية.
إنه الاتجاه الذي حمل خطابًا جهاديًا، ثم غيّر بوصلته حين التقت مصالحه مع الاستراتيجية الأمريكية والتركية في إسقاط نظام الأسد. واليوم، مع تصاعد الحديث عن تفاهمٍ مرتقبٍ مع إسرائيل برعاية أمريكية، يبدو أن المشروع الذي بدأ باسم “تحرير الشام” ينتهي إلى مشروع “تطبيع الشام” حيث يُستبدل شعار الجهاد بشعار الاستقرار، وتتحول القضية من مواجهة الاحتلال إلى إدارة العلاقة معه.
بهذا المعنى، لا يعبر مسار الشرع عن المأزق السوري فحسب، بل عن انقسامٍ أعمق داخل التيار الإسلامي نفسه: بين من يرى أن اللحظة تفرض الواقعية والتعامل مع الغرب، ومن يرى أن هذا التحول ليس إلا خيانةً للمبدأ، ونقضًا لجوهر الفكرة التي بدأ منها.
فمن القاعدة الجهادية إلى القاعدة العسكرية الأمريكية في الشمال السوري، ومن الراية السوداء إلى بدلة السياسيين، ومن العداء لواشنطن إلى التحالف معها — تتجسد قصة التحول الكبرى التي تعلن نهاية مرحلة وبداية أخرى، عنوانها: “إسلام ما بعد الجهاد”.
في قلب هذه التحولات، تظهر واشنطن كفاعلٍ يقرأ الميدان السوري بعينٍ استراتيجية باردة، تعيد من خلالها هندسة العلاقة مع دمشق: من خصمٍ يجب القضاء عليه، إلى طرفٍ يمكن استثماره ضمن ترتيبات إقليمية جديدة.
هكذا تصبح سوريا لاعبًا محدودًا لكنه قابل للتوظيف، وشريكًا في ضبط النفوذ الإيراني، وضمان استقرار الحدود مع إسرائيل وتركيا.
ولم يعد التحول السوري مجرد صراعٍ داخلي أو انقلابٍ على السلطة، بل صفقة استراتيجية كبرى تُقرأ من واشنطن إلى تل أبيب وأنقرة، ومن هناك إلى موسكو وطهران، حيث يُعاد رسم المشرق وفق توازنات القوة لا المبادئ، ويغدو البقاء السياسي هو الهدف الأعلى، فوق كل الشعارات الثورية أو العقائدية.
إنها ليست نهاية حربٍ في سوريا، بل بداية زمنٍ جديد في الشرق الأوسط. فالحروب الكبرى لا تنتهي بالهدنة، بل تتحول إلى خرائط جديدة تُرسم بالسكين على جسد الجغرافيا. ومن رحم الأنقاض تولد التوازنات، ومن بين رماد المدن تصعد الصفقات.
وإذا كان المسار من الجولاني إلى الشرع قد كشف شيئًا، فهو أن السياسة في المشرق العربي لم تعد تدور حول فكرة الحفاظ على الدولة، بل حول فكرة بقاء النظام.
تلك هي المأساة الكبرى: أن تتحوّل القضية من تحرير الأرض إلى إدارة البقاء فوقها، وأن تصبح التحالفات، حتى مع ألدّ الأعداء، عنوانًا للنجاة.
في زمنٍ تُعاد فيه كتابة التاريخ بالحبر الأمريكي، وتُرسم فيه الجغرافيا بحدِّ السكين الإسرائيلي، يكون الصمت خيانة، ويغدو التفاهم مع القتلة ضربًا من النجاة الزائفة.
المأساة ليست في سقوط الرايات، بل في إسقاط الهوية. وتلك هي المعركة التي لن تتأخر طويلًا.