في ظل تعقيدات إقليمية متسارعة وتحديات متشابكة في القارة الأفريقية، يظل ملف سد النهضة أحد أخطر قضايا الأمن القومي المصري، رغم ما يبدو من هدوء نسبي في الخطاب الرسمي.
في هذا التقرير نرصد أبعاد التحرك المصري بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، ونكشف ملامح الاستراتيجية التي تتبعها القاهرة للحفاظ على أمنها المائي وحماية مصالحها الحيوية.
من التفاوض إلى الخطر القائم
في هذا السياق أكد المحلل السياسي المتخصص في الشؤون العربية والدولية، عصام سلامة، لـ”القصة” أن أزمة سد النهضة خرجت من نطاق المرحلة الطارئة التي كان يمكن خلالها مناقشة الاتفاقيات والبنود وتقديم تنازلات متبادلة على موائد التفاوض، لتدخل مرحلة الخطر القائم بالفعل، في ظل الإصرار الإثيوبي على المضي قدمًا بشكل أحادي، ضاربًا بعرض الحائط مصالح دول المصب.
وشدد على أن هذا التحول يفرض بالضرورة تغييرًا في طبيعة التحركات المصرية، وإلا أصبحت بلا قيمة أو هدف.
وتابع أنه مع تعثر مسارات التفاوض المباشر وغير المباشر، بات المشهد أكثر تعقيدًا، حيث تصطدم التحركات المصرية بخريطة أفريقية مشتعلة في الأساس، ما يجعل أي تحرك أشبه بالسير في حقل ألغام متغير، تحكمه توازنات دقيقة وصراعات مفتوحة.
تحركات مصرية في العمق الإفريقي
وأضاف أن مصر تتحرك بشكل مختلف داخل العمق الأفريقي، عبر عرقلة تحركات إثيوبية تُصنَّف في خانة الضرر المباشر بالأمن القومي المصري، ولم يعد الأمر مقتصرًا على سد النهضة فقط، بل اتسع ليشمل ملفات أخرى، من بينها التواجد المصري في ملف الصومال، ومنه أرض الصومال، بما يمثل ضغطًا غير مباشر وحصارًا من اتجاه آخر على إثيوبيا.
وذكر أنه في التوقيت ذاته، لا ترفض القاهرة أي مبادرات تُطرح تحت عنوان السعي إلى حل أزمة سد النهضة، رغم إدراكها المسبق أن تلك المبادرات لن تحقق تقدمًا ملموسًا. ومع ذلك، لا تُغلق مصر الباب حتى لا يُقال إنها ضد الاتفاق، لكنها في المقابل لا تُراهن عليه، وتتحرك بالتوازي على مسارات أخرى أكثر تأثيرًا.
ما بعد سد النهضة
وقال: قد يبدو أن وتيرة التحرك المصري تجاه سد النهضة قد خفّت، إلا أن السد لم يكن الخطر الوحيد منذ البداية، فمصر لم تعترض على مبدأ بناء السد، بقدر اعتراضها على سياسات الملء والتشغيل التي أصبحت واقعًا مفروضًا، ومن هنا، تتجه التحركات المصرية إلى محاور أخرى أكثر اتساعًا وتأثيرًا لمواجهة التحديات المتراكمة.
سد النهضة في صدارة الاهتمام المصري
وفي نفس الإطار ، قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، لـ”القصة”، بالنفي بشدة الادعاءات التي تتحدث عن تراجع ملف سد النهضة عن أولويات القاهرة.
وأكد أن مصر تعمل بكامل قوتها في هذا الملف، لكنها اختارت الدبلوماسية الهادئة بدلًا من الضجيج الإعلامي، في إطار ما وصفه بالصمت الاستراتيجي الذي يعكس نضجًا دبلوماسيًا في التعامل مع قضية مصيرية.
انتهاكات إثيوبية للقانون الدولي
وأضاف مهران أن التحركات الإثيوبية الأخيرة في الملء والتشغيل الأحادي تشكل انتهاكًا صارخًا لإعلان المبادئ الموقع عام 2015، وكذلك لاتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية، موضحًا أن إثيوبيا تواصل الملء دون اتفاق ملزم مع مصر والسودان، وهو ما يهدد الأمن المائي المصري بشكل مباشر.
وأوضح مهران أن القاهرة لم تتوقف لحظة واحدة عن متابعة الملف، بل تعمل عبر مسارات متوازية، تشمل:
المسار القانوني الدولي من خلال التواصل المستمر مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
المسار الدبلوماسي عبر تحركات مكثفة داخل الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية.
المسار الفني لتطوير القدرات المائية وترشيد الاستهلاك.
المسار السياسي بالتنسيق مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة.
الصمت الإعلامي دبلوماسية فعالة
وشدد مهران على أن الصمت النسبي في الإعلام لا يعني غياب العمل، محذرًا من أن الدبلوماسية الفعالة لا تُدار عبر البيانات الصاخبة، بل من خلال الاتصالات السرية والضغوط الهادئة، لافتًا إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن التصعيد الإعلامي قد لا يحقق نتائج ملموسة.
وأشار مهران إلى أن التغيرات التي طرأت على المشهد في السودان أثرت على ديناميكية الملف، موضحًا أن الخرطوم كانت شريكًا أساسيًا في الموقف المشترك مع القاهرة، إلا أن انشغالها بحربها الداخلية أضعف الجبهة الموحدة، مؤكدًا أن مصر تعمل على استعادة التنسيق مع أي حكومة سودانية مستقرة مستقبلًا.
وحذر مهران من خطورة السماح لإثيوبيا بفرض أمر واقع، مشددًا على أن القانون الدولي يحظر إحداث ضرر جسيم بالدول المتشاطئة، داعيًا إلى تصعيد دبلوماسي مدروس يهدف إلى حشد دعم دولي يُجبر أديس أبابا على التفاوض بجدية.
قضية أمن قومي لا تقبل التنازل
واختتم حديثه بالتأكيد على أن سد النهضة يمثل قضية أمن قومي مصري لن تتخلى عنها مصر أبدًا، مشددًا على أن العمل مستمر بكل قوة، ولكن بحكمة استراتيجية تضمن حماية المصالح المصرية وتحقيق أهدافها على المدى الطويل.