لم تكن الألوان التي يحملها الفنان “أحمد” في وعائه البلاستيكي الصغير مجرد صبغات كيميائية، بل كانت محاولة بائسة وعظيمة في آن واحد لترميم أرواح تآكلت بفعل الحرب هنا، في قلب مدرسة تحولت من صرح للعلم إلى مأوى لآلاف النازحين بمدينة غزة، تحولت الجدران الأسمنتية الباردة إلى لوحات تنبض بالحياة، تزامناً مع اقتراب يوم القدس العالمي.
فن يولد من رحم المعاناة
بين خيام النازحين المكتظة ورائحة الحطب المشتعل، يقف مجموعة من الفنانين الشباب، يطوعون الخط العربي ليرسموا كلمات الصمود ليس لديهم مراسم فاخرة، بل جدران تقشر طلاؤها بفعل الشظايا، وعزيمة لا تنكسر.
الخط العربي: ينساب “خط الثلث” على الجدار ليرسم عبارة “القدس موعدنا”، محاطة بزخارف تحاكي قبة الصخرة.
الجداريات: رسومات لأطفال ينظرون نحو الأفق، وحمائم سلام ترفرف فوق أسلاك شائكة محطمة.
الألوان: سيطرة للون الأخضر والذهبي، في إشارة لرمزية المدينة المقدسة وأمل العودة.
“نحن هنا.. والقدس فينا”
يقول محمود لـ”القصة”، أحد الخطاطين المشاركين، وهو يمسح غبار الركام عن جبهته: “نحن نرسم تحت القصف، ونكتب للقدس ونحن لا نملك مأوى هذه الرسائل ليست مجرد فن، بل هي إثبات وجود، يوم القدس ليس مجرد تاريخ في الروزنامة، بل هو نبض يسري في عروقنا حتى ونحن في أضعف حالاتنا.”
تجمع حول الفنانين عشرات الأطفال النازحين، يراقبون بحياد ودهشة كيف تتحول جدران مدرستهم “المؤقتة” من شاهد على المأساة إلى منارة للأمل بالنسبة لهؤلاء الصغار، رؤية رسمة للمسجد الأقصى على حائط متهالك هي تذكير بأن هناك عالماً يتجاوز حدود خيمتهم الضيقة.
رمزية التوقيت.. آخر جمعة من رمضان
يأتي هذا النشاط الفني قبيل الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، ليربط وجع غزة بجرح القدس النازف، هي رسالة تضامن عابرة للحصار، تؤكد أن الجوع والنزوح لم ينسِ الغزيين بوصلتهم الأساسية.
لماذا يصرون على الرسم الآن؟
الدعم النفسي: تحويل بيئة النزوح الكئيبة إلى فضاء بصري ملهم.
التأكيد على الهوية: الحفاظ على الرموز الوطنية حاضرة في أذهان الأجيال الشابة.
المقاومة بالفن: إيصال صوت غزة للعالم عبر لغة الألوان التي لا تحتاج لترجمة.
بينما كانت الشمس تميل للغروب خلف ركام المدينة، انتهى أحمد من وضع اللمسة الأخيرة على جدارية كبرى تصور مفتاح العودة وهو يعانق مآذن القدس. قد تسقط الجدران بفعل القذائف، لكن الكلمات والخطوط التي حُفرت في قلوب النازحين ستبقى عصية على الهدم.