كتب: رقية خالد و إيمان حسن
في وقتٍ تعيش فيه المنطقة على فوهة بركان، انشغلت الأوساط السياسية والإعلامية بصورة غير مسبوقة بسؤالٍ واحد عصف بمنصات التواصل الاجتماعي وتحول إلى “تريند” عالمي: أين بنيامين نتنياهو؟ وهل ما يزال على قيد الحياة؟
القصة التي بدأت “أنباء عنها” كشائعة رقمية، تدحرجت ككرة الثلج لتصبح نقاشاً سياسياً وأمنياً رفيع المستوى، تداخلت فيه تكنولوجيا “الذكاء الاصطناعي” بسخرية السياسيين البريطانيين، ووصلت ذروتها باعترافٍ إسرائيلي رسمي بـ “محاولة تصفية”.
منصات التواصل.. شرارة الشك وفخ “الذكاء الاصطناعي”
بداية القصة كانت من الفضاء الافتراضي، وتحديداً منصة (X)، حيث اجتاحت هاشتاجات تتساءل عن مصير رئيس الوزراء الإسرائيلي ورصدت تقارير “نقلاً عن” حسابات مؤثرة، من بينها حسابات تحليلية مثل “Bassem Youssef Commentary”، تشكيكاً واسع النطاق في آخر ظهور لنتنياهو.
وزعمت هذه الحسابات أن الفيديوهات القصيرة التي بثها مكتبه عقب هجوم “قيساريا” قد تكون “مصنوعة بالذكاء الاصطناعي” (Deepfake)، واستند المغردون في هذا التخمين إلى ما وصفوه بـ “اختلالات تقنية” في حركة الوجه وتعبيرات العين، معتبرين أن لجوء مكتب نتنياهو لهذه التقنية هو دليل قاطع على وفاته أو إصابته بحالة صحية خطيرة تمنعه من الظهور المباشر (Live).
جورج جالوي يدخل على الخط.. “من يدير واشنطن؟”
لم يتوقف ضجيج منصات التواصل عند حدود الحسابات المجهولة، بل اتخذ بُعداً سياسياً ساخراً، “نقلاً عن” السياسي البريطاني المعروف بانحيازه للقضايا العربية جورج جالوي، فقد نشر جالوي تدوينة أرفق فيها صورة لنتنياهو متسائلاً بلهجة تحمل استنتاجات سياسية عميقة: “إذا كان ميتاً، فمن بالظبط الذي يدير الولايات المتحدة الآن؟”.
تغريدة جالوي فتحت الباب لـ “أنباء عن” تحليل سياسي واسع يربط بين نفوذ نتنياهو على السياسة الأمريكية وحجم الفراغ الذي قد يخلفه غيابه، مما زاد من اشتعال الجدل الرقمي وحوله إلى “تريند” سياسي بامتياز.
لغز الصحفي الهندي ورواية “المنزل المدمر”
وفي “الخرفشة” الميدانية للقصة، تداولت مصادر “أنباء عن” واقعة تزيد الغموض غموضاً؛ وهي اعتقال السلطات الإسرائيلية لصحفي هندي وتزعم هذه الرواية أن الصحفي تمكن من الوصول إلى منزل نتنياهو المستهدف في “قيساريا” وقام بتصويره من الداخل، عارضاً لقطات للمنزل وهو متضرر بشكل كبير جداً، وهو ما اعتبره نشطاء تفسيراً منطقياً لإخفاء نتنياهو، وبحسب هذه “الأنباء غير المؤكدة رسمياً”، فإن الاحتلال يحاول تعتيم حجم الدمار الحقيقي الذي خلفه الهجوم بمسيرة انقضاضية.
القناة 12 الإسرائيلية تقطع الشك بـ “الخبر اليقين”: محاولة تصفية إيرانية
وفي تطور دراماتيكي جعل القصة تتصدر العناوين الرئيسية عالمياً، قطعت القناة 12 الإسرائيلية، “نقلاً عن” مسؤول حكومي رفيع، الشك باليقين بشأن طبيعة الهجوم، وأكد المسؤول للإعلام الإسرائيلي أن “إيران حاولت تصفية نتنياهو” بشكل مباشر. هذا الاعتراف يعد تحولاً جذرياً؛ فمن جهة يثبت أن الهجوم كان يستهدف شخص نتنياهو، ومن جهة أخرى يضع حدًا لشائعات الوفاة، حيث أن وصف “محاولة تصفية” يرمز ضمنياً إلى فشلها.
الأناضول تنقل النفي الرسمي: “آمن ويواصل مهامه”
بالتوازي مع ذلك، وبالرغم من تصريحات القناة 12، سارع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لكسر صمته الرسمي، ونقلت وكالة الأناضول بياناً مقتضباً أكد فيه المكتب أن: “الادعاءات بمقتل نتنياهو عارية عن الصحة تماماً، وهو في مكان آمن، ويواصل أداء مهامه الرسمية كالمعتاد”.
حرب السرديات ومستقبل “التريند”
إن ما حدث هو نموذج صارخ لـ “حرب السرديات” المشتعلة في الشرق الأوسط، “نقلاً عن” خبراء في الحرب النفسية، فإن غياب نتنياهو عن الظهور الإعلامي المكثف والمباشر عقب هجوم “قيساريا” خلق فراغاً معلوماتياً قاتلاً نجح الجمهور الساخط والجهات المعاصرة في ملئه بالسيناريوهات الأكثر إثارة.
و إن الرقابة العسكرية الإسرائيلية الصارمة قد تكون قد “نجحت” في تعتيم حجم الدمار المادي في المنزل، لكنها “فشلت” تماماً في السيطرة على “الرواية الرقمية” التي أصبحت تدار بتقنيات الذكاء الاصطناعي وبسخرية السياسيين الدوليين.
و يبقى الفيصل في مثل هذه القضايا الحساسة هو الظهور العلني المباشر الذي لا يدع مجالاً للشك، وإلى أن يحدث ذلك، ستظل منصة (X) ساحة لمعركة إعلامية كبرى، حيث لا يمكن اعتبار “التريند” مصدراً للحقيقة، ولكنه بالتأكيد انعكاس مرعب لحالة القلق والترقب التي تسيطر على الرأي العام العالمي في انتظار “الحقيقة الكاملة”.