في أروقة صنع القرار بدمشق، وخلف الأبواب المغلقة التي تشهد حراكاً دبلوماسياً مكوكياً، يدور سؤال واحد يشغل عواصم القرار من واشنطن إلى طهران: “إلى أي مدى يمكن لسوريا الجديدة أن تذهب في تغيير قواعد اللعبة الإقليمية؟”.
تقارير دولية مؤخرة، تصدرتها وكالة “رويترز”، كشفت عن ضغوط أمريكية هائلة تُمارس على القيادة السورية الحالية، وتحديداً على الرئيس أحمد الشرع، لفتح جبهة لبنان عسكرياً لمواجهة نفوذ حزب الله ولكن، خلف هذا “المنشيت” العريض، تكمن تفاصيل معقدة، وحسابات “حقل ألغام” تجعل من الخطوة السورية -إن حدثت- زلزالاً قد يعيد تشكيل الشرق الأوسط، أو انفجاراً قد يبتلع الدولة السورية الناشئة.
العرض الأمريكي.. استثمار في “اللحظة الراهنة”
تعتبر واشنطن أن سقوط النظام السابق في سوريا قد فتح “نافذة استراتيجية” لا تتكرر لتفكيك “محور المقاومة” من الداخل الضغوط الأمريكية، كما يراها مراقبون، ليست مجرد طلبات عابرة، بل هي “عرض مقايضة” ضخم: إرسال قوات سورية إلى لبنان لتنفيذ ما عجز عنه المجتمع الدولي (تطبيق القرار 1559 وتجريد حزب الله من سلاحه)، مقابل اعتراف دولي كامل بـ “شرعية” القيادة الجديدة، ورفع العقوبات، وضخ مليارات الدولارات في شريان إعادة الإعمار السوري.
إلا أن هذا العرض، رغم بريقه المادي والسياسي، يحمل في طياته “سُماً استراتيجياً”، فالدخول إلى لبنان يعني صداماً مباشراً ليس فقط مع حزب الله، بل مع المشروع الإيراني برمته في المنطقة، وهو ما تدركه دمشق جيداً.
دمشق تكسر الصمت.. “لا عودة لزمن الوصاية”
في رد حاسم على هذه المناخات، تبرز الرؤية السورية الرسمية التي ترفض الانجرار إلى “المحرقة اللبنانية”، وفي تصريحات حصرية لـ “القصة”، يؤكد المحلل السياسي السوري د. حسام طالب أن ما يُشاع عن استجابة لضغوط أمريكية هو “قراءة خاطئة للواقع السوري الجديد”.
ويقول د. طالب: “لقد كان هناك بالفعل محاولات أمريكية لتشكيل حلف عسكري يجمع واشنطن ودمشق وحتى تل أبيب، بهدف الدخول العسكري إلى لبنان وتغيير الواقع الميداني هناك. لكن الموقف السوري جاء صاعقاً للجميع برفض قاطع لهذا الطرح، سوريا أبلغت الجانب الأمريكي صراحة: انتهى عصر خروج الجيش السوري خارج حدوده الوطنية. نحن اليوم نبني دولة سيادة، لا دولة تدخلات عسكرية عابرة للحدود”.
ويضيف طالب موضحاً: “هذا الموقف ليس وليد اللحظة، بل هو قرار استراتيجي اتُخذ منذ أشهر الخارجية السورية والدولة بمؤسساتها الجديدة حسمت أمرها؛ لا تدخل في لبنان، لا ضد حزب الله ولا لصالح أي طرف آخر، دمشق قررت أن تنأى بنفسها عن صراعات المحاور التي استنزفت مقدراتها لعقود”.
“الكماشة” الإسرائيلية-الإيرانية.. سوريا فوق الصفيح الساخن
تعيش سوريا اليوم بين فكي كماشة، فإسرائيل تحاول استغلال العدوان المستمر لتوجيه رسائل ضغط لدمشق العدوان الإسرائيلي المتكرر في القنيطرة والجنوب السوري، وتوغلات جيش الاحتلال المحدودة قرب الجولان المحتل، ليست مجرد عمليات عسكرية، بل هي محاولة “ابتزاز أمني” لدفع أحمد الشرع نحو الصدام مع حزب الله.
ويكشف الدكتور حسام طالب في هذا السياق: “إسرائيل ترفض توقيع اتفاق أمني يضمن الاستقرار على الحدود، وتستخدم هذا الرفض كوسيلة ضغط لإجبار سوريا على الذهاب معها في حرب ضد حزب الله دمشق تعي هذا الفخ جيداً، وترفض أن تكون مخلب قط لإسرائيل، مهما بلغت التهديدات العسكرية على حدودنا الجنوبية”.
على الجانب الآخر، تبرز إيران كلاعب يعبث بالداخل السوري فمنذ سقوط النظام السابق، اتخذت طهران موقفاً سلبياً وعدائياً تجاه الدولة السورية الجديدة ويشير د. طالب إلى معلومات أمنية خطيرة قائلاً: “الموقف الإيراني وصل إلى حد التآمر ودعم عناصر مسلحة مرتبطة بالنظام السابق لخلق حالة من الفوضى والعمليات الإرهابية لقد ضبطت الأجهزة الأمنية السورية خليه إرهابية كانت تمتلك مسيرات متطورة حصلت عليها مباشرة من حزب الله، كما تم تفكيك خلية أخرى كانت تخطط لعمليات بقذائف هاون تابعة للحزب أيضاً”.
هذا المشهد يؤكد أن سوريا في حالة “حرب صامتة” مع المحور الإيراني داخل أراضيها، لكنها ترفض نقل هذه الحرب إلى لبنان، مفضلة معالجة الخروقات الأمنية ضمن سيادتها الوطنية وبالتنسيق مع الجيش اللبناني.
الفخ الطائفي والحرص العربي.. “إجماع الجامعة”
التخوف من الانزلاق إلى حرب إقليمية هو الهاجس الأكبر الذي يوحد دمشق مع محيطها العربي التدخل السوري في لبنان، في ظل التركيبة المعقدة هناك، قد يشعل فتيل “اضطرابات طائفية” لا تُبقي ولا تذر، وهو ما تسعى واشنطن وتل أبيب لاستغلاله لتفكيك المنطقة وتصفية الحسابات بأيدٍ عربية.
ويوضح الدكتور حسام طالب، أن الموقف السوري ليس معزولاً، بل هو جزء من “إجماع عربي” شامل. يقول: “ما نراه اليوم هو اتفاق عربي واسع النطاق، تم صياغته في لقاءات وزراء الخارجية والقادة العرب داخل الجامعة العربية الرئيس أحمد الشرع والوزير الشيباني كانا واضحين في التنسيق الدائم مع الأشقاء العرب على مبدأ عدم التصعيد، الموقف العربي موحد ضد الإنجرار وراء الرغبة الإيرانية في حرق المنطقة، أو الرغبة الإسرائيلية في توسيع رقعة الحرب”.
ويستطرد طالب: “إيران اليوم تتبع سياسة “عليّا وعلى أعدائي”، وما تفعله من اعتداءات وقصف على دول الخليج هو دليل على تخبط استراتيجي يهدف لتدمير استقرار المنطقة بأكملها لذا، فإن حرص الدول العربية، وفي مقدمتها سوريا ودول الخليج، على عدم توسيع الصراع هو حائط الصد الأخير أمام مخططات التدمير الشامل”.
لبنان وسوريا.. علاقة “دولة بدولة” لا “تبعية”
تتعالى أصوات في لبنان، بعضها يوالي القيادة السورية الجديدة ويرفع صور الرئيس أحمد الشرع، تطالب بـ “استعادة الدور السوري” للاستقواء به في الداخل اللبناني، لكن الرد من دمشق جاء حازماً بفك الارتباط مع نهج النظام السابق الذي كان يستخدم لبنان كساحة لتصفية الحسابات.
يؤكد طالب أن الرئيس أحمد الشرع تحدث بكل صراحة وشفافية: “سوريا لن تقف مع طرف ضد آخر في لبنان علاقتنا هي مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية، وتحديداً الجيش اللبناني أما الموالون الذين يرفعون الصور، فهذا شأنهم الشخصي كمواطنين، لكنه لا يعكس سياسة الدولة نحن لا نريد أن نكون “عامل ترجيح كفة” كما كان يفعل النظام البائد، بل نريد التعامل كدولة تحترم سيادة جارتها”.
هذا التنسيق يتجلى في اللقاءات المستمرة والوفود الرسمية المتبادلة بهدف “ضبط الحدود ومنع التهريب”، وهو الهدف الاستراتيجي الوحيد لدمشق في لبنان حالياً.
السيناريوهات المستقبلية.. “الدفاع النشط” لا “الهجوم العابر”
في ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال: “ماذا لو استمر حزب الله في محاولة زعزعة أمن سوريا؟”.
الموقف السوري، كما يحلله حسام طالب، واضح كالشمس: “طالما لم يقترب أحد من حدودنا، فلن يتغير موقفنا الرافض للتدخل هدفنا هو تحييد سوريا عن صراع دفعنا ثمنه غالياً وتبين أنه مجرد صدام بين أطماع توسعية إيرانية وإسرائيلية لكن، في حال حاول حزب الله التسلل أو العبث بالداخل السوري، سيكون الرد حاسماً ومن داخل الأراضي السورية، الجيش السوري والقوى الأمنية جاهزة لمنع أي اختراق، دون الحاجة للذهاب إلى بيروت أو الجنوب اللبناني”.
سوريا تربح الرهان الصعب
إن رفض أحمد الشرع للضغوط الأمريكية ليس “ضعفاً” أو “تردداً”، بل هو “نضج سياسي” يعكس رغبة في بناء سوريا كدولة مستقرة وذات سيادة دمشق اليوم ترفض أن تكون “جندياً” في معركة الآخرين، وتفضل الاستثمار في أمنها الداخلي وعلاقاتها العربية المتينة.
التحدي الحقيقي أمام القيادة السورية يكمن في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق: صد الاستفزازات الإيرانية، مواجهة الابتزاز الإسرائيلي، ورفض الإغراءات الأمريكية، كل ذلك مع الحفاظ على “شعرة معاوية” مع الدولة اللبنانية. إنها معركة “عض الأصابع”، ويبدو أن دمشق، بدعم عربي واسع، قررت أن تخرج منها بـ “سيادة كاملة” لا بـ “حروب بالوكالة”.