أمي ماتت قبل القصيدة وقبل الأغنية، ولهذا لا أستطيع الإجابة عن أسئلة لا مكان لها في حياتي مع أمي التي رحلت ولم تتجاوز الأربعين من عمرها السريع.
لم أكن أعلم أن الموت فَقْد أبديّ إلى أن غيّب الموت ماتيلدا – أُمي كنت – على كثير مما شهدت على الموت والموتى، أحسبه مثل سفر يطول في الزمان وينتهي.
كانت نكبتي تشبه خَطْبَ مريم – جدتّي – وعلى شاكلة دمعها الحارق سكبت.

أدركت معنى الموت حين نَما في داخلي شعور الغياب، وافتقدت أمي فما وجدتها، فشبّ في صدري حريق هائل، وانتحيت مكانًا قصيًّا من مكان الأهل، أسأل داخلاً لا يقوى على الجواب: ما معنى الموت؟ كيف يموت الإنسان؟ إلى أين يرحل؟ هل تتقطّع بهم مثلنا الأسباب؟
تَحَلَّقَت النسوة لتلاوة الترانيم والتَّشهُد لأمي وتوسّل الألطاف من مَعْقِد الآمال، ويرتفع صُواتٌ هزّ البيت، واهتزّ لهوله الفؤاد الهشّ وهَوى في قرارةٍ بلا نهاية.
رأيت البكاء مثل مطر السماء، ورأيت الهباء يبدّد الحياة.
كَبُرَ الموت في داخلتي، تطيّرت من أسمائه وذكره، وألبسَ علي أمره حتى خلته مَنزلةً تقيم بين الشهيق والزفير.
وكنت، في الليالي، أصيخُ السَّمع لأنفاس أبي وأخي وأخواتي، فلا أنام إلا بعد أن يطمئن قلبي إلى أنهم يخطرون في نظام. بعد مدة عدت إلى المدرسة، لكن شيئًا من عالم أقراني لم يجذبني إليه ولا أبرأني من غائلتي.
كنت أراهم يتضاحكون ويتراكضون فأطرق ساهماً كأنّي وفيّ لحزن غياب أمي.
ولم أنسَ حتى الساعة، ولزمن طويل، لم أنسَ صورتها في مخيلتي، فكنت أدلف إلى الدار كي ألقي النظرة عليها من البرواز