أعتذر عن العنوان الطويل جدًا.. ربما فشل مهنى منى، أو تعبير عن طول الحكاية التى تمتد عبر سنوات وحكومات وأنظمة وشخصيات وضحايا ومحظوظين.
بمناسبة الإعلان عن مشروع عملاق لشركة هشام طلعت مصطفى (ذا سباين)، بمشاركة البنك الأهلى، أكبر البنوك المصرية، بنحو 24%، عادت مسألة التصرف فى أموال البنوك، أو بالأحرى أموال المودعين، لتتصدر المناقشات.
بدايةً، البنك الأهلى أكبر من أن يتأثر أو يهتز لاهتزاز مشروع واحد، حتى لو بدت الأموال التى سيشارك بها البنك ضخمة، لأن مآله وميزانياته وأنشطته وأرباحه أكبر من هذه الأرقام بكثير.
القضية ليست كما يصور البعض، بحسن نية أو سوء قصد، اهتزاز البنك أو المغامرة بأموال المودعين.
القضية أكبر من ذلك؛ فالبنك الأهلى وبنك مصر يمثلان ذراعى الحكومة والبنك المركزى، لأن المالك فى البنكين هو الحكومة نيابةً عن الشعب، وتنيب وزارة المالية والبنك المركزى عنهما فيما يتعلق بحقوق الملكية فى البنكين.
والجمعية العمومية فى حالة البنكين هى وزارة المالية، ورئيس الحكومة هو من يصدق على قرار تعيين أعضاء مجلس الإدارة بترشيح من محافظ البنك المركزى.
وقد دفع البنك الأهلى وبنك مصر وبقية بنوك الحكومة ثمن هذا الوضع كثيرًا، وفى مواقف وحكومات مختلفة، لأن القرار فى البنك هو قرار المالك عبر الجمعية العمومية أو مجلس الإدارة.
خذ عندك مثلًا اضطرار البنك الأهلى (وبنك مصر) لأن يبيع حصته فى أول شركة محمول فى مصر لرجل الأعمال نجيب ساويرس بنفس ثمن الشراء، ودون أن يكون البنك فى حاجة إلى أموال البيع، فيُحرم من الأرباح المليارية التى حققها الأخ ساويرس من وراء شركة موبينيل لسنوات طويلة.
خذ عندك مثلًا اضطرار البنك، فى عهد رئيس الحكومة الراحل الدكتور كمال الجنزورى، لتمويل مشروعات المناطق الصناعية والزراعية التى كان الدكتور الجنزورى مغرمًا بالإعلان عنها بدون دراسات جدوى.
وقد حكى لى نائب سابق من بورسعيد أن الأرض التى خُصصت له كانت صخرية ولا تصلح للزراعة، ولكنه حصل على قرض من البنوك الحكومية بالأمر المباشر من رئيس الوزراء.
أو اضطرار البنك لإقراض الشركات القابضة لكبار رجال الأعمال المرضى عنهم، رغم أنه سبق وأن قدم للشركات التابعة لنفس الشركة القابضة قروضًا ضخمة.
وقد أوقفت خطة الإصلاح التى قادها محافظ البنك المركزى الدكتور فاروق العقدة الأخطاء، أو بالأحرى هذه الخطايا.
ولكن يبقى اشتراك البنك الأهلى فى هذا المشروع، بأمر من المالك وهو الحكومة، خطيئة كبرى. لماذا؟ ولماذا لا ينزعج صندوق النقد الذى أجرى مراجعة فنية للتأكد من تطبيق الحوكمة فى البنكين الحكوميين الأهلى ومصر؟
نص القصة أننا فى حاجة إلى ضخ استثمارات البنوك فى مشروعات صناعية وزراعية، وفى مشروعات الذكاء الصناعى والبيئة النظيفة، وليس فى مشروعات العقارات التى قد تدر دخلًا على أصحابها أو الضرائب، ولكنها لا تقدم وظائف مستدامة ولا منتجات تحل محل السلع المستوردة لتوفير الدولار أو العملات الأجنبية.
لقد اعترضت على قيام البنك الأهلى منذ سنوات بشراء حصة من البنك التجارى الدولى، وكتبت أن أموال البنك الأهلى يجب أن تستثمر فى الصناعات، ونقل التكنولوجيا، وإكمال دائرة الصناعات الوسيطة، ومعظمها صناعات متوسطة وصغيرة.
نص القصة أن قرار الأهلى شراء أسهم من البنك التجارى لا يخلو من مشاغبة أو تحرش بنكى برئيس البنك هشام عز العرب.
نص القصة أن المجلس التنسيقى بين الحكومة والبنك المركزى، فى أول حكومة للدكتور مدبولى، وكان المحافظ طارق عامر، اتخذ قرارات مهمة لم نستمر فى تنفيذها كثيرًا، لا فى المدة ولا بحجم التمويل.
أهم هذه القرارات أن تقود البنوك عمليات توفير التمويل للصناعات الوسيطة (المسامير، والإبر، والأزرار، وغيرها من مكملات معظم الصناعات)، والتى لا نزال نستوردها من الخارج.
نص القصة أنه كانت هناك خطة فى هذا المجلس، وكان الدكتور فاروق العقدة عضوًا به، لدعم الصناعات المتوسطة، ونقل التكنولوجيا، ودعم توطين الصناعات الغذائية فى الصعيد.
نص القصة أنه فى مواسم كثيرة يضطر الفلاحون لدفن الطماطم والبطاطس وغيرها من الزراعات، لأن تكلفة نقلها أعلى من سعر البيع. وتحتاج هذه المناطق إلى مصانع للصلصة، ومنتجات الطماطم الأخرى، والشيبسى، ومنتجات البطاطس العالمية.
وبذلك نوفر ملايين من فرص العمل لأهلنا فى الصعيد، وننتصر على الفقر الذكر فى هذه المحافظات.
لست مهتمة بأن يحقق البنك الأهلى أو بنك مصر كام مليار من مشروع واحد، بل أن يحقق نفس الأرباح، أو ربما أقل، من مشروعات تخدم المواطن العادى والفلاح وملايين المتعطلين، ليس عن العمل فقط بل عن الحياة كلها. وليس فى هذا الاختيار أى ظلم للمودعين، لأن بنكى الأهلى ومصر أصحاب الحصة الأكبر من أذون وسندات الخزانة التى تحقق أرباحًا كبرى للبنوك دون بذل مجهود أو أموال.
فى نهاية القصة، ما يحتاجه البنك الأهلى أو بنك مصر، أو بالأحرى الحكومة التى تتحكم فى القرار بطرق شرعية، هو روح زعيم الاقتصاد الراحل طلعت حرب، بمشروعاته التى ساهمت فى بناء مصر الحديثة