في توقيت يثير الكثير من التساؤلات، تحركت الطائرات الأردنية لتضرب معاقل تجار السلاح والمخدرات في الجنوب السوري، تزامنًا مع تحركات واعتداءات إسرائيلية في ذات المنطقة وبنفس “الخطاب” الإعلامي.
هذا التزامن المريب يضعنا أمام تساؤل استراتيجي: هل نحن أمام مجرد “عملية نظافة” حدودية، أم أن الجنوب السوري بات يُعد ليكون “ساحة تدخل” كبرى بذريعة غياب سيادة النظام السوري؟
“إسرائيل”.. المستفيد الأول من “الضجيج”
يرى الدكتور رامي عاشور، أستاذ العلوم السياسية، أن إسرائيل هي الرابح الأكبر مما يحدث على الحدود الأردنية السورية. ويؤكد عاشور لـ”القصة” أن وجود عصابات أو جماعات تمارس نشاطًا غير مشروع في هذه المنطقة يمنح تل أبيب “الذريعة المثالية” للتدخل، حيث يمكنها الادعاء بأن هذه الجماعات تهدد أمنها، تمامًا كما تهدد أمن الأردن، مما يمنحها “غطاءً” للقيام بعمليات عسكرية تحت بند الدفاع الشرعي عن النفس.
ويوضح عاشور أن الهدف الإسرائيلي أبعد من مجرد ملاحقة مهربين، فهو يرتبط بشكل وثيق بالتوسعات الإسرائيلية في جنوب لبنان وصولًا إلى منطقة جبل الشيخ، بهدف إحكام السيطرة العسكرية الكاملة على هذا المثلث الاستراتيجي.
استنزاف النظام السوري.. سياسة “إشغال الخصم”
يرى أستاذ العلوم السياسية أن التحركات الأردنية تجاه الجنوب السوري، رغم أنها تهدف للدفاع عن الأمن القومي الأردني، إلا أنها في المقابل تساهم في “إشغال النظام السوري” بمشكلات إقليمية مع جيرانه العرب. هذا التوتر “يصب في مصلحة إسرائيل”، التي تستغل حالة الضعف والارتباك لتثبيت أقدامها.
ويستكمل بأن الرسالة التي تخرج للعالم الآن هي أن سوريا “دولة غير آمنة”، وأن النظام لا يمتلك القدرة على السيطرة على حدوده أو لجم الخارجين عن القانون، وهو ما يعطي “الضوء الأخضر” لإسرائيل للتدخل العسكري المباشر والقوي داخل الأراضي السورية متى شاءت.
لعبة “قص الأجنحة” الإيرانية
لا يمكن فصل مشهد الجنوب السوري عن الصراع الكبير مع إيران، ويشير عاشور إلى أن إسرائيل تستغل حالة “تلجيم” إيران عبر المفاوضات مع واشنطن، لتستمر في استنزاف أذرعها، وعلى رأسها حزب الله.
ويشير إلى أن إضعاف حزب الله في لبنان، بالتوازي مع ضرب خطوط إمداده بالأسلحة والمخدرات في الجنوب السوري، يعني كسر “الذراع الرئيسي” لإيران في المنطقة. ويؤكد عاشور أن إسرائيل والولايات المتحدة مستفيدتان من إطالة أمد هذا الوضع؛ فبينما تحقق إسرائيل مكاسب ميدانية، يساهم الحصار البحري والضغوط الاقتصادية في إضعاف الاقتصاد الإيراني وتهديد استقرار طهران الداخلي.
عبقرية “استغلال الضعف” لا التنسيق
ورغم تشابه الخطاب الأردني والإسرائيلي، ينفي رامي عاشور وجود “تنسيق أو تفاهمات” مباشرة بهذا المعنى التقليدي، مؤكدًا أن المسألة تتعلق بـ”القدرة الإسرائيلية الفائقة على استغلال حالة الخلاف والضعف العربي”.
فالإسرائيليون لا يحتاجون إلى تنسيق المواقف بقدر ما يحتاجون إلى “ذريعة”، وحالة الفوضى في الجنوب السوري تقدمها لهم على طبق من ذهب.
ويختتم عاشور رؤيته لـ”القصة” بالتأكيد على أننا لسنا بصدد حرب شاملة، بل هي “مناوشات لتعزيز حالة الدفاع الشرعي”، لكنها مناوشات تمنح إسرائيل “الشرعية” لقضم المزيد من الأراضي أو فرض واقع أمني جديد يعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.