دخلت المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران مرحلتها النهائية عقب إعلان الخارجية الإيرانية التوصل إلى تفاهمات شملت معظم القضايا المطروحة.
وبينما يتردد الصدى في الأوساط الدبلوماسية عن قرب التوقيع في جنيف برعاية “مسار إسلام آباد”، لا يزال الجدل مستعراً حول البنود الحقيقية لمذكرة التفاهم، هذا الحراك الشديد يضع المنطقة أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة ما سيتم التوقيع عليه، وما إذا كان يمثل حلاً مستداماً أم مجرد هدنة مؤقتة تفرضها حسابات داخلية معقدة لكلا الطرفين.
اتفاق مبدئي وحرب روايات تسريب البنود
قال أسامة حمدي الباحث في الشؤون الإيرانية والشرق الأوسط، في تحليله الخاص لـ “القصة”، إن ما سيتم التوقيع عليه في جنيف عقب الإعلانات المتبادلة عن قرب التوصل لاتفاق، هو بمثابة “إطار تفاهم مبدئي” أو تفاهم إطاري يرتكز على مبادئ عامة، وليس اتفاقاً كاملاً في ملفاته الخلفية.
وأوضح حمدي أن هذا الإطار ينص على إنهاء الحرب على كل الجبهات بما فيها لبنان، ورفع الحصار البحري عن إيران، مقابل فتح طهران لمضيق هرمز وإزالة الألغام البحرية، وتخفيف العقوبات مع الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة تقدر بـ 24 مليار دولار، على أن يتم الإفراج عن الدفعة الأولى منها بقيمة 12 مليار دولار.
وأشار حمدي إلى وجود “حرب روايات” وتضارب واضح بين الطرفين؛ حيث تصر إيران على أنها لم تقدم تنازلات تذكر، بينما يصر الطرف الأمريكي على أن طهران قدمت تنازلات في الملف النووي والتفتيش على تخصيب اليورانيوم.
و أضاف أن هناك تأكيداً أمريكياً باكستانياً على قرب التوقيع خلال 24 ساعة في جنيف، في حين تصر إيران على أن المناقشات لا تزال مستمرة ولم تحسم القضايا الخلافية بعد، مبيناً أن كل طرف يتعمد تسريب بنود تؤكد تمسكه بمواقفه ليوحي أمام رأيه العام أنه لم يقدم أي تنازلات.
وأكد الخبير في الشؤون الإيرانية أن الطرفين توافقا بالفعل على الأمور الاقتصادية وأمن الملاحة وإنهاء الحرب الشاملة، لكن القضايا الخلافية حول الملف النووي لا تزال تراوح مكانها، إذ تتمسك إيران بحقها في تخصيب اليورانيوم وعدم تفكيك منشآتها وعدم إخراج الـ 400 كيلوغرام المخصبة بنسبة 60% من أراضيها، في حين تصر واشنطن على تفكيك كامل للبرنامج وتعليق التخصيب لـ 20 عاماً.
وتابع حمدي لافتاً إلى أن هذا الملف النووي المعقد سيتم ترحيله لبحثه تفصيلياً خلال مفاوضات تمتد لـ 60 يوماً تبدأ فور توقيع الاتفاق المبدئي، محذراً من أنه إذا لم يتوافق الطرفان خلال هذه المهلة فستكون المنطقة أمام فشل كامل للتفاوض وعودة للتصعيد بآليات وأدوات مختلفة.
ونوه حمدي بأن الطرفين توافقا بشكل جازم على استبعاد ملفين رئيسيين من التفاوض تماماً، وهما “الملف الصاروخي الإيراني” و”ملف الوكلاء في المنطقة”، حيث لم تتطرق الطاولات إليهما مطلقاً، وهو الأمر الذي يثير انزعاج إسرائيل وقلقها البالغ بالتأكيد.
التقاط الأنفاس: حسابات ترامب و مأتم خامنئي
وأوضح حمدي أن كلا الطرفين يحتاجان بشدة إلى هذه الهدنة لالتقاط الأنفاس وترتيب البيت من الداخل، و يعلمان أن استمرار الحرب استنزاف طويل الأمد لا يخدم اقتصادهما. وأشار إلى أن أمريكا القادمة على انتخابات تجديد نصفي لا يريد فيها الحزب الجمهوري الحاكم أن يظهر كخاسر بسبب ملف إيران، وفي المقابل تحتاج إيران إلى الهدنة لإعادة الإعمار داخلياً، وإعادة بناء قدراتها العسكرية التي جرى تدميرها خلال حرب الأربعين يوماً، فضلاً عن حاجتها الإجرائية لإقامة جنازة مرشدها علي خامنئي والتي تطلب ترتيبات تمتد لأسبوع كامل، ولهذا تم تأجيل الملفات الخلافية عبر اتفاق لتثبيت الهدنة.
وحول الرابح والخاسر من هذا المسار، أكد حمدي لـ “القصة” أن إيران ستخرج بمكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية ضخمة، فهي تدخل التهدئة كقوة إقليمية تحدت قوتين نوويتين أمريكا وإسرائيل دون أن يسقط نظامها أو يتفكك برنامجها النووي، بل و اختبرت صواريخها بدقة في معركة حقيقية، بجانب تحقيق انتعاش اقتصادي بفك تجميد المليارات وحرية تصدير النفط، والاحتفاظ بورقة حزب الله في لبنان كأحد أذرعها الطويلة.
واختتم حمدي حديثه مؤكداً أن هذا التوافق يصيب إسرائيل بالقلق الشديد ويضع مصالح نتنياهو و ترامب في تعارض حاد؛ فنتنياهو يرى في إنهاء الحرب دون تحقيق أهدافها “انتحاراً سياسياً” ومحاسبة حتمية له، خاصة بعد انهيار الردع الاستراتيجي لتل أبيب عقب مبادرة إيران بقصف الشمال الإسرائيلي رداً على قصف ضاحية بيروت الجنوبية.
وجزم حمدي بأن نتنياهو يريد استمرار الحرب لحماية مستقبله، بينما يصر ترامب على وقفها حماية لمستقبله ومستقبل حزبه السياسي.