أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

التعليم تحت المقصلة

استراتيجية التجهيل القسري وملاحم الصمود المعرفي في غزة

حسين عبد الرحمن حماد

فظائع الإبادة الجماعية في قطاع غزة لا تقتصر على ما تحصده آلة الحرب الإسرائيلية، بل تمتد أسلحتها لتنهش البنيان المعرفي والثقافي الذي يمنح المجتمع هويته ويصون ذاكرته التاريخية. إنَّ سحق منظومة التعليم تجسيد صارخ لسياسة الإبادة المعرفية، واستراتيجية ممنهجة لتقويض الحقوق الثقافية بوصفها ركناً أصيلاً من حقوق الإنسان. إنّ الاستهداف المنهجي للصروح الأكاديمية وإحراق المكونات الفكرية، يتم بدمٍ باردٍ، في تحدٍ سافرٍ للمواثيق الدولية واستهانةٍ بالتدابير الاحترازية لمحكمة العدل الدولية. وأمام هذا المشهد، يقف العالم متفرجاً على جريمةٍ مكتملة الأركان، تسعى لتفريغ المستقبل الفلسطيني من مضمونه الحضاري، ودفع جيلٍ كاملٍ نحو غياهب الجهل القسري الذي تفرضه فوهات المدافع.

في خضمّ هذه المأساة، تبرز معضلة امتحانات التوجيهي لدفعة عام 2008، كجرحٍ نازفٍ آخر، حيث تتخبط الآراء بين خياراتٍ تفتقر للحد الأدنى من المقومات، ما بين امتحانات منزلية عبر منصة “وايز سكول”، أو وجاهية تقنية في نقاط تعليمية. ويبقى القرار حبيس مفارقات مريرة؛ فبين من يرى في التطبيق طوق نجاة، ومن يراه ترحيلاً للأزمة، تظل الحقائق على الأرض قاسية، تيار كهربائي متذبذب، وشبكات إنترنت هزيلة، وشحّ في الأدوات التقنية، يضاف إلى ذلك كله جحيم الصيف داخل خيام لا تقي حراً ولا تمنح استقراراً، ناهيك عن التصدع النفسي لطلبة يعيشون تحت وقع القصف والحرب. إنَّ وزارة التربية والتعليم تجد نفسها أمام معضلة تفوق الحلول التقليدية؛ فالمستقبل ينزف، والأجيال تدفع إلى نفق مظلم يهدد بضياع حلم كان يوماً ما هو البوصلة التي نراهن عليها للبقاء.

وهنا؛ تكشف الأرقام والبيانات الميدانية الموثقة عن حجم تدمير هيكلي غير مسبوق أصاب المنظومة التعليمية بالشلل التام، حيث تحولت الحواضن المعرفية من مدارس وجامعات ومراكز أبحاث ومكتبات إلى ركام، أو إلى مراكز إيواء قسرية تفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية. فقد طالت الأضرار المادية المباشرة وغير المباشرة ما نسبته 95% من المدارس في قطاع غزة، وأكدّت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إن حوالي (660,000) طفل في قطاع غزة حُرموا من التعليم بسبب الحرب المستمرة، محذرة من أن أطفال غزة معرضون لخطر أن يصبحوا “جيلاً ضائعاً”، وأن حوالي مليون طفل في القطاع يعانون من صدمة نفسية عميقة مع استمرار تدمير المدارس.

أخبار ذات صلة

نقابة الصحفيين
لماذا غاب شبانة ويحيى وعبد المجيد عن المشاركة في احتفال يوم الصحفي بالنقابة؟
حسين عبد الرحمن حماد
استراتيجية التجهيل القسري وملاحم الصمود المعرفي في غزة
نقابة الصحفيين
الصحفيون يستعيدون ذكرى الانتصار على "قانون اغتيال الصحافة".. والبلشي يطالب بالإفراج عن المحبوسين

إن أخطر ما في استراتيجية الإبادة التعليمية هو الاستهداف الجسدي المنظم لرأس المال البشري، من علماء ومفكرين وطلبة، في محاولة واضحة لقطع حبل التواصل المعرفي بين الأجيال؛ فقد قتلت قوات الاحتلال خلال حرب الإبادة الجماعية حوالي (17,000) طالب وطالبة، وبلغ عدد الشهداء من الطلبة الجامعيين حوالي (600) شهيد وشهيدة. وقتلت حوالي (850) معلماً وموظفاً تربوياً في قطاع التعليم، وحوالي (200) عالماً واكاديمياً وأستاذاً جامعياً وباحثاً. ولحقت أضراراً مادية بنسبة 95% من المدارس في قطاع غزة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، حيث تعرّضت (662) مبنى مدرسي للقصف المباشر، وتضررت (116) مدرسة أخرى بشكل غير مباشر، وتحتاج نسبة 90% من إجمالي المدارس إلى إعادة بناء وتأهيل لاستعادة وظائفها الرئيسة. وتعد محافظتا شمال غزة ورفح هما الأكثر تضرراً من محافظات قطاع غزة، حيث تضررت 100% من مبانيهما المدرسية مما يعني مسحاً كاملاً للبنية التحتية التعليمية. ولم تكن حواضن التعليم العالي بمنأى عن هذه المحرقة المعرفية، إذ أقدمت قوات الاحتلال على تدمير (33) مبنى جامعي بشكل كلي، وأضرت بـ(55) مبنى بشكل جزئي، مما تسبب في ضياع التجهيزات اللوجستية النموذجية، والمختبرات الفنية والعلمية المتخصصة والمكتبات المركزية.

وأمام هذا التدمير الشامل، تجلت إرادة البقاء الفلسطينية من خلال ابتكار أدوات بديلة لمواجهة التجهيل والتعطيل الممنهج عبر مسارين؛ تمثل الأول في التعليم الإلكتروني، حيث أنشأت وزارة التربية والتعليم العالي في الشهور الأولى للحرب ثلاثين مدرسة افتراضية انخرط فيها حوالي ثلاثة آلاف معلم ومعلمة من الضفة الفلسطينية، لاستئناف العملية التعليمية بالحد الأدنى بعد اختزال العام الدراسي المكون من اثنين وثلاثين أسبوعاً في فصل دراسي تتراوح مدته بين اثني عشر وخمسة عشر أسبوعاً. وقد ركزت الوزارة على رزم تعليمية تعوض الفاقد المعرفي في أربع مواد أساسية هي العلوم والرياضيات واللغة العربية واللغة الإنجليزية، وبالفعل التحق بالبرنامج طلبة غزة وتقدموا للامتحانات وترفعوا للفصول التالية، وحذت حذوها وكالة الأونروا، كما أُنهت امتحانات الثانوية العامة “التوجيهي” لثلاثة أجيال متضررة من مواليد أعوام 2005، 2006، 2007، إلكترونياً، عبر تطبيق (Wise School)، لتمكينهم من الالتحاق بالتعليم الجامعي مع أقرانهم. أما المسار الثاني فتمثل في النقاط التعليمية الوجاهية، حيث أسس عدد من المتطوعين والمبادرين حوالي سبعمئة نقطة تعليمية داخل خيام ومخيمات النازحين قامت الوزارة بتنظيمها واعتمادها، تزامناً مع نقاط مماثلة أنشأتها الأونروا داخل المدارس المستخدمة كمراكز إيواء. ورغم هذه الملاحم، يصطدم التعليم البديل بتحديات لوجستية خانقة تشمل انعدام الطاقة الكهربائية، وضعف الإنترنت، وعدم توفر الأجهزة الذكية للعائلات الفقيرة والهشة، مما يضطر الجهات الرسمية للاستمرار ولو ببطء حفاظاً على مستقبل الطلبة، مع التأكيد على أن هذه المبادرات ستظل محل تجربة لا يمكن الحكم النهائي عليها إلا بعد توقف الحرب تماماً وإعادة الإعمار.

وتعكس المعطيات عمق الآثار النفسية والاجتماعية والحقوقية المترتبة على هذه الكارثة، إذ تحول الطالب في غزة من مقاعد الدراسة إلى عامل مهم في المعاناة اليومية لعائلته، حيث تستنزف طاقات الأطفال في طوابير النزوح الطويلة بحثاً عن مياه الشرب، أو انتظاراً لقليل من طعام التكيات الخيرية وأفران الخبز. ويتزامن ذلك مع ارتداد معرفي حاد وارتفاع نسب الفاقد التعليمي والثقافي، وسط تحذيرات علمية من أن طول إغلاق المدارس يرفع احتمالات التسرب المستقبلي ويعقد المشهد، لاسيما لطلبة الصف الأول الابتدائي في مقتبل مسيرتهم، وطلبة الجامعات في التخصصات التطبيقية التي تحتاج ممارسة عملية. وإلى جانب سوء التغذية والأوبئة المنتشرة في مراكز الإيواء جراء تدمير البيئة وحرب التجويع والتعطيش، يعاني الطلبة من مشكلات سلوكية ونفسية حادة كالقلق والاكتئاب نتيجة معايشة مشاهد العنف والدمار وفقدان الوالدين والأحبة. وتتضاعف هذه المأساة بشكل صارخ لدى الطلبة من ذوي الإعاقة الحركية والسمعية والبصرية، الذين واجهوا ظروفاً قهرية حالت دون حصولهم على حقهم في التعليم والدمج؛ نتيجة تدمير المدارس الموائمة والوسائل المساعدة وتدمير بنيتها التحتية بالكامل.

إن ما يحدث في قطاع التعليم في غزة ليس تدمير لمنشآت إسمنتية أو تأجيل مؤقت لعام دراسي أو أكثر، ولكنه عملية إعدام مدني وحضاري مع سبق الإصرار والترصد، وانتهاكات ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأمامها يجب أن يواجه بها العالم مرايا عاره، حيث لم تكتفِ دولة الاحتلال بالمسح الجغرافي لقطاع غزة، بل تنفذ بوعي كامل سياسة المحو الزمني واغتيال الأجيال القادمة، حيث تحاول صناعة أمة بلا ذاكرة وبلا علم، عبر تصفية عقولها وتدمير حواضرها الثقافية لضمان تبعيتها وضعفها لعقود قادمة. إن بقاء المنظومة الدولية صامتة أمام هذه الجريمة التعليمية يعطي الضوء الأخضر لتحويل المدارس والجامعات حول العالم إلى أهداف مستباحة في حروب المستقبل، ويسقط فكرة القانون الدولي في هاوية العدم.

وبناءً عليه، لم يعد كافياً إرسال المساعدات الإغاثية واللوجستية، بل يستوجب الأمر تحركاً دولياً فورياً لإلزام قوات الاحتلال الإسرائيلي بحماية الأعيان التعليمية، وتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة خاصة بجرائم الإبادة التعليمية لتوثيق الأدلة والبراهين الجنائية، ودعوة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين وكل من أصدر الأوامر العسكرية لاستباحة المدارس والجامعات واغتيال النخبة الأكاديمية والعلماء، وتقديمهم للمحاكمة كمجرمي حرب حمايةً للإرث الإنساني المشترك وحق الأجيال في الحياة والمعرفة.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

مستشفى الشاطبي
ماهينور المصري: القبض على أمنية سويدان بعد شهادتها بشأن مستشفى الشاطبي
مستشفى الشاطبي
ما العقوبات المنتظرة حال ثبوت وقائع مستشفى الشاطبي؟
أرشيفية
300 مليار دولار لإيران.. استثمارات لإعادة الاستقرار أم ثمن لتسوية إقليمية؟
إمام عاشور
هدف إمام عاشور يرفع قيمته التسويقية ويلفت أنظار كشافي الأندية إليه

أقرأ أيضًا

الموازنة العامة للدولة - أرشيفية
خلال مناقشة الموازنة العامة للدولة.. نائبة لـ الحكومة: "راجعي أخطائك"
ياسر سعد
من ازدراء الأديان إلى ازدراء الرجال!
IMG-20251008-WA0239-150x150
قتل الملك لا ينهي لعبة الشطرنج
سمر مرسي
سمر مرسي تكتب: على ذمة الحذاء