تسعى قوات الاحتلال الإسرائيلي جاهدة إلى تهجير الفلسطينيين من أرضهم قسرًا أو طوعًا منذ احتلال فلسطين عام 1948م، وقد اتخذت هذه السياسة مسميات مختلفة، واتسمت بالمد والجزر بناءً على المعطيات السياسية والدولية.
فيما شهدت الهجرات اليهودية إلى فلسطين تحولًا تاريخيًا جذريًا من هجرات سرية إلى سياسة دولية ممنهجة تعتمد على فتح الأبواب على مصراعيها لإحداث تغيير ديموغرافي، وإبعاد اليهود عن أوروبا تحت شعارات مختلفة، خاصة بعد ذريعة الهولوكوست في أوروبا، ثم تصفية وتهجير المجتمعات اليهودية من الدول العربية إلى فلسطين عبر عمليات: بساط الريح، وعزرا ونحميا (من اليمن والعراق)، ثم من المغرب وتونس والجزائر (بعد استقلال هذه الدول)، بالإضافة إلى استمرار التدفق من بعض الدول الأوروبية مثل رومانيا وبولندا، ثم من الاتحاد السوفييتي، وبعد ذلك من إثيوبيا. وذلك بهدف احتلال الأرض، وتغيير الواقع الديموغرافي، وطرد السكان الأصليين.
ومنذ أن بدأت قوات الاحتلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في أكتوبر 2023م، وانتهاج سياسة القتل والتدمير والإبادة الشاملة، أعلنت، بكل وقاحة، عن تهجير الفلسطينيين، وبدأ مخطط التهجير داخليًا من خلال إجبار الفلسطينيين في محافظتي شمال غزة وغزة على النزوح القسري إلى الوسط والجنوب. وفي ظل صمت المجتمع الدولي عن جملة الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال في قطاع غزة، وعلى رأسها جريمة الإبادة الجماعية، التي شكَّلت مشجعًا لتلك القوات للمضي في نهجها وجرائمها، لم يُعلن موقفه من التهجير القسري بشكل واضح، لكنه جاء على استحياء. وإن أعلنت بعض الدول رفضها للتهجير علنًا، فهي قبلت به سرًا، أو تحت مسميات أخرى مثل: علاج المرضى، ولمّ الشمل، واستقبال العقول، وغير ذلك.
وفقًا لأحدث التقارير الصادرة عن الإعلام الإسرائيلي، وتحديدًا القناة (13 العبرية)، فقد صدرت تعليمات للأجهزة الأمنية والسياسية الإسرائيلية بالتوقف التام عن استخدام مصطلح “الهجرة الطوعية” أو “التهجير القسري”، واستبداله بمصطلح جديد هو “حرية التنقل” أو “المرور الحر” في كافة المداولات والوثائق الرسمية. ويأتي هذا التغيير اللفظي ليحمل أبعادًا سياسية وقانونية خبيثة، مثل: الهروب من الملاحقة القانونية، والتسويق الدبلوماسي، ودعم مخططات الإخلاء والتقسيم.
إذن، لم تعد الكارثة في قطاع غزة مجرد أرقام تتوالى في نشرات الأخبار، بل باتت طاحونة يومية تهرس أجساد وأرواح أكثر من مليوني إنسان. وبعد قرابة ثلاث سنوات من حرب الإبادة الممنهجة، يقف المواطن الغزّي وحيدًا في مواجهة آلة تدمير لم تترك شيئًا يمت للحياة بصلة.
فالفلسطيني في غزة يواجه القتل والتدمير الممنهج بصدره العاري؛ حيث تؤكد وزارة الصحة الفلسطينية أن عدد الشهداء وصل إلى (73,070) شهيدًا/ة، فيما وصل عدد المصابين إلى حوالي (173,500) جريحًا/ة. ووثقت المنظمات الأممية والحقوقية تدمير أكثر من 70% من الوحدات السكنية في قطاع غزة، ليجد مئات الآلاف أنفسهم مشرَّدين في خيام لا تقي حرًا ولا بردًا، بعد أن نزحوا قسرًا لأكثر من عشر مرات بحثًا عن بقعة أمان وهمية. وانهارت المنظومة الصحية بالكامل مع خروج أكثر من 80% من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، في حين بات 95% من السكان يفتقرون إلى الوصول إلى المياه الكافية والمأمونة. أما التعليم، فقد تحولت جامعاته ومدارسه إلى ركام أو مراكز إيواء تفتقر إلى أدنى مقومات الكرامة الإنسانية. كل هذا وسط إغلاق محكم للمعابر، ما ترك المجتمع فريسة للفقر المدقع، وتجار الحروب، والمليشيات المستحدثة التي تنهش ما تبقى من جسد غزة المنهك.
فيما تسعى الهندسة الديموغرافية، بشكل مدروس، إلى خلق بيئة طاردة للفلسطينيين من غزة، وإقناع العالم بأنها لا تصلح للحياة، حيث تجاوزت الخسائر المادية والاقتصادية في القطاع حاجز 57 مليار دولار أمريكي، لتصبح المغادرة هي الخيار الوحيد للنجاة، ثم يُغلَّف هذا الخروج القسري بغلاف الحرية الإنسانية. وأمام هذه المشاهد التي تعجز الكلمات عن وصف بشاعتها، لجأت قوات الاحتلال إلى حيلتها الدبلوماسية الخبيثة، المتمثلة في استبدال مصطلح التهجير بحرية التنقل أو المرور الحر. وهنا يجب أن تتوجه بوصلة السؤال بوضوح قاطع:
للمجتمع الدولي الصامت أو المتواطئ: كيف يمكن لعقل بشري أن يستوعب فتح المعابر من أجل حرية الخروج النهائي من فلسطين، بينما تستحيل إعادة فتحها لإدخال حبة دواء أو رغيف خبز يحفظ حياة الناس في أرضهم؟ هل أصبحت حقوق الإنسان تُختزل في حق الضحية في اختيار المنفى؛ لكي يُعفى الجلاد من تهمة الإبادة؟ وهل يظن العالم أن تغيير المسمى في أروقة الأمم المتحدة سيزور حقيقة أن ما يجري هو تطهير عرقي مكتمل الأركان؟ فهل سيوافق العالم على هذا التغيير وكأن المشكلة تكمن في الحروف؟
الواقع أن المجتمع الدولي الصامت أو المتواطئ قد يجد في هذه المصطلحات الجديدة مخرجًا أخلاقيًا يريحه من عبء الإدانة. حيث أشارت تقارير (منتصف عام 2026) إلى مخاوف جدية من سياسة التهجير الناعم، حيث يتم تسهيل خروج عشرات الآلاف عبر دول ثالثة تحت غطاء تسهيلات السفر، في حين يُمنع آلاف المرضى والجرحى وأصحاب الحاجة الحقيقية إلى العلاج من السفر والتنقل والحركة.
أما الفلسطيني الصامد في أرضه: يا من كُتب عليك أن تدفع ضريبة الدم عن أمة كاملة؛ هل ستسمح لخدعة غسيل المصطلحات أن تنجح فيما فشلت فيه الصواريخ والإبادة؟ هل تدرك أن التسهيلات والإغراءات المفاجئة للخروج ليست سوى الوجه الآخر لمخطط الإبادة، وأن تذكرة السفر التي تُعرض اليوم عليك وسط الجوع والقهر هي ذاتها صك التنازل عن حق العودة الذي حلمت به منذ عقود؟
وللحقيقة؛ يبدأ الفلسطيني في قطاع غزة يومه بمأساة، وينهيه بمأساة أشد قسوة. شريط يومي لا يتوقف من الفقد والإبادة، حيث باتت الحياة في القطاع، بعد قرابة ثلاث سنوات من الحرب، بمثابة اختبار يفوق قدرة البشر على الاحتمال. بين خيام الهوان، أو في طوابير طويلة تبتلع الأعمار من أجل قطرة ماء، أو رغيف خبز، أو وجبة طعام مغمسة بالدم، تتجلى أبشع صور الانهيار في منظومات صحية وتعليمية تحتضر، وتدمير بيئي ممنهج جعل الهواء والتربة يحملان الموت. إن الضغط الذي يمارسه الاحتلال عبر سلاح التجويع والتعطيش يهدف إلى غاية واحدة: الوصول بالفلسطيني إلى لحظة الكفر بالمكان، والبحث عن النجاة الفردية بأي ثمن.
أيها الصامدون فوق هذه الأرض، لا تنسوا أن الاحتلال يستند إلى معادلة طرد الفلسطينيين وإحلال المهاجرين اليهود منذ بداية الاحتلال، وضمان أغلبية ديموغرافية يهودية، وفرض واقع جديد على الأرض. لا تنسوا أرض الأجداد، وكوشان أملاككم في بلداننا المحتلة، لا تنسوا مفتاح الدار، أو حق العودة.
نعم، من المنطقي والإنساني أن يبحث الجسد المنهك عن استراحة، وعن فرصة لالتقاط الأنفاس بعد ثلاث سنوات من الجحيم، وهذا الخروج المؤقت لمن أُجبروا عليه بحثًا عن علاج أو نجاة لا ينتقص من وطنيتهم قيد أنملة. ولكن رسالة الثبات والوعي، التي يجب أن تُحفر في عقول الأجيال، هي: إياكم والانسياق خلف وهم المصطلحات. لا تخضعوا لإغراءات تُقدَّم لكم النجاة مقابل إخلاء الأرض للمحتل؛ قدِّروا صمودكم. إن الفلسطيني لم يُخلق ليكون رقمًا في طوابير المنافي، بل هو جبل من تراب هذه الأرض؛ جذوره أعمق من دباباتهم وسياساتهم، وذاكرته أطول من أعمار كيانهم. فكل الشواهد التاريخية والحالية تؤكد تمسك الفلسطيني بأرضه. ولم تُخلق بعد البقعة الجغرافية التي يمكن أن تعوض الغزّي عن أزقة حيّه المدمر أو رائحة بحره. إن الفلسطيني جُبل من تراب هذه الأرض، وتيّم عشقًا بها حتى النخاع. قد تدفعه آلة البطش والتجويع إلى المنافي، وقد تُجبره قسوة الطوابير وخيام اللجوء على البحث عن سماء لا تمطر نارًا، ولكنه خروج الجسد المتعب، بينما تبقى الروح معلقة في غزة وفلسطين.
لا تلوموا الضحية، فقد تخرج الأجساد المثخنة بالجراح يومًا لتبحث عن دواء، أو ليلتقط الأطفال أنفاسهم بعيدًا عن أزيز الطائرات، لكن الروح ستبقى معلقة بأسلاك الخيام في غزة، وبأنقاض بيوتها، وبرمل شواطئها. خروج الجسد، مهما طال، لا يعني التنازل، فالفلسطيني إذا خرج من أرضه مجبرًا، حتمًا سيعود إليها بانيًا وسيدًا يومًا ما.