لم تكن ليلة عادية تلك التي عاشتها العاصمة العراقية بغداد فبينما ظن السكان أن أصوات التحركات الأمنية في “المنطقة الخضراء” الفجرية تعود لتوترات سياسية أو انقلاب عسكري، كانت الحقيقة أبعد بكثير من السياسة التقليدية.
إنها “حرب المليارات المدفونة” التي انطلقت شرارتها الأولى من حفرة بعمق 4 أمتار في مزرعة بمحافظة صلاح الدين، لتهز أركان الدولة وتكشف عن شبكة فساد ممتدة وصفت بأنها الأضخم في تاريخ البلاد.
البداية من “رجل النفط”: سقوط أحجار الدومينو
بدأت الحكاية بقرار قضائي روتيني لتوقيف عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية والمسؤول السابق عن ملف “مصافي الشمال ومصفى بيجي” وهو ملف يعد تاريخياً من أكثر الملفات حساسية لارتباطه المباشر بعقود المقاولات المليارية ومناطق النفوذ الثقيلة.
لكن مع بدء التحقيقات، تحول ملف الفساد الإداري الروتيني إلى “فيلم هوليوودي” أغرب من الخيال لم يكن الجميلي مجرد مسؤول يتلقى عمولات، بل كان حارسا لـ “مغارة علي بابا” الحديثة.
أمام اعترافات الجميلي الصادمة، تحركت القوات الأمنية رفقة المحققين لضبط الممتلكات، لتقف أمام مشهد لم تشهده المحاكم العراقية من قبل: الأموال المكمورة اضطرت السلطات للاستعانة بـ “جرافات” للحفر أعماق الأرض داخل مزارع المتهم، حيث عُثر على “أجولة” مليئة بالعملات النقدية مدفونة على عمق 4 أمتار.
الحصيلة الأولية للجميلي، أعلن القضاء العراقي عن ضبط 98 مليار دينار عراقي (ما يعادل قرابة 75 مليون دولار)، بالإضافة إلى 11 مليون دولار نقدا، ليصل إجمالي السيولة المضبوطة لديه وحده إلى نحو 86 مليون دولار، بخلاف الذهب والسلاح.
الأسطول العقاري والبري، أسفرت المداهمات عن ضبط 40 عقاراً ومزرعة، واستدعت القوات الأمنية شاحنتين كبيرتين تريلات لمجرد نقل أسطول سياراته الفارهة الحديثة.
“قائمة الـ 138”: اعترافات تضرب قلب النفوذ
لم يتوقف زلزال الجميلي عند حد مصادرة أمواله بل فتح الرجل “الصندوق الأسود” للدولة و وفقًا لمصادر التحقيق، أدلى الجميلي باعترافات تفصيلية قادت إلى شبكة عنكبوتية تضم 138 مسؤولاً حكوميا، بينهم نواب في البرلمان، ووكلاء وزارات، ومدراء عامون.
وكانت المفاجأة الكبرى ورود اسم “علي معارج”، وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع والمدرج سابقا على قوائم العقوبات الأمريكية.
آلية العمل الفاسد، كشفت التحقيقات عن مثلث متكامل الأركان: (مسؤول يوقع على العقود، سياسي يوفر الغطاء الأمني والتشريعي، ورجل أعمال يستفيد ويهرب الأموال)، حيث تبين أن معظم المتهمين اعتمدوا ذات الاستراتيجية البدائية والفعالة: “دفن الملايين تحت الأرض” تمهيداً لتهريبها إلى الخارج.
اشتباكات واعتقالات في المنطقة الخضراء
تحولت الاعترافات إلى خطة هجوم مباغتة، ونفذت الأجهزة الأمنية في الساعات الماضية حملة مداهمات واسعة شملت المنطقة الخضراء ومناطق أخرى في بغداد.
وأسفرت الحصيلة الأولية للمداهمات الليلية عن اعتقال 17 مسؤولاً بارزا بعد مواجهات واشتباكات محدودة أثناء محاولة تطويق منازل المستهدفين. وتؤكد التقارير أن القائمة المرشحة للتحقيق قد تتسع لتشمل قرابة ألف مسؤول من درجات وظيفية مختلفة.