لم يعد هناك متسع للحديث عن النقص أو العجز فالكلمات فقدت معناها أمام هول الواقع اليوم، يطوي قطاع غزة 1000 يوم كاملة من حرب الإبادة المستمرة، ألف ليلة وليلة من القصف والدماء، لكنها أيضاً “ألف يوم” عبرتها غزة بلا أطباء، بلا دواء، وفوق أنقاض منظومة صحية جرى اغتيالها وتدميرها بشكل ممنهج ومتعمد أمام مرأى ومسمع من عالم اختار الصمت.
شهادات من المسافة صفر: جراحة بلا تخدير وأمل مفقود
خلف الأبواب المغلقة لما تبقى من غرف وممرات مستشفيات غزة، يروي الأطباء والممرضون فظائع لم تذكرها كتب الطب يوماً.
يقول الدكتور حسام لـ”القصة”، وهو جراح متطوع في أحد مستشفيات دير البلح، بنبرة يملؤها القهر: “لقد أتممنا 1000 يوم ونحن نتخذ أصعب القرارات الأخلاقية التي يمكن لطبيب أن يتخذها نختار من يعيش ومن نمتنع عن علاجه لندعه يموت بسلام بسبب نفاد المستهلكات الطبية أحياناً نضطر لبتر أطراف أطفال رضع في الممرات وعلى ضوء الهواتف المحمولة بلا تخدير، وصراخهم يلاحقنا في أحلامنا العالم يحصي الأيام، ونحن نحصي الأطراف المبتورة والدماء التي جفت على ثيابنا”.
أما الحكيمة مريم، التي تنقلت بين عدة مراكز إيواء ومستشفيات ميدانية، فتصف معركة الأدوية المفقودة قائلة لـ “القصة”: “الحرب لم تقتل الناس بالرصاص فقط، بل بالمنع الحصار حول الأمراض العادية إلى أحكام بالإعدام يأتي إلينا مرضى الكلى والسرطان والأطفال المصابون بمرض القلب مثل الطفلة بيلسان ونحن نعلم أن علاجهم بسيط ومتاح خلف المعبر ببضعة كيلومترات، لكننا نقف مكتوفي الأيدي نراقبهم وهم يذوبون ويموتون صامتين الألف يوم بالنسبة لنا كانت ألف عام من العجز المطبق”.
بلا دواء.. الموت الصامت يلتهم الجميع
في غزة اليوم، تحولت مستشفيات غزة من قلاع لإنقاذ الحياة إلى أهداف رئيسية للصواريخ والدبابات، وأصبح الحصار المطبق الذي يمنع دخول الأجهزة الحيوية وأدوية الطوارئ بمثابة مقصلة يومية مرضى السرطان يواجهون الموت بلا جرعات كيميائي، والأطفال الرضع كما في حالتي “محمد وبيلسان” يواجهون خطر بتر ما تبقى من أطرافهم أو توقف قلوبهم المخنوقة لأن “أدوية الطوارئ” والعمليات التخصصية باتت أثمن من الذهب وأبعد من النجوم.
ألف يوم مرت، وملف “التحويلات الطبية” يزداد تخثراً فوزارة الصحة تقف عاجزة أمام قوائم انتظار تضم آلاف الجرحى الذين يحتاجون للسفر الفوري القيود الصارمة حولت المعابر إلى “مقاصل أمنية”، حيث ترفض طلبات السفر وتقلص الموافقات إلى حد يلامس الصفر، ليموت الجرحى وهم يمسكون بملفاتهم بانتظار معجزة الخروج.
إن إتمام غزة لـ 1000 يوم من الحرب فوق أنقاض منظومتها الصحية ليس مجرد رقم في سجلات التاريخ، بل هو إعلان عن أضخم كارثة إنسانية وطبية في العصر الحديث، يثبت فيه الإنسان الغزي أنه يملك قدرة خارقة على التنفس والبقاء.. حتى لو كان الهواء مخنوقاً بغبار الركام.