أشعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلاً جيوسياسياً واسعاً بنشره صورة واضحة لفاتورة الإنفاق العسكري داخل حلف شمال الأطلسي الناتو من عام 2014 إلى 2025، وأظهرت الأرقام إنفاق الولايات المتحدة 999 مليار دولار أمريكي، مقابل 90.5 مليار لبريطانيا، و66.5 مليار لفرنسا، و48.8 مليار لإيطاليا، و44.3 مليار لبولندا، في حين جاءت مبالغ ألمانيا ودول أخرى أقل بكثير، ليعلق ترامب في النهاية بكلمة واحدة: “هراء!”.
ومع إرساله رسالة صريحة لأوروبا مفادها “إما أن تدفعوا الثمن أو ستواجهون مصيركم وحدكم”، يثور تساؤل استراتيجي حول سياق هذه الفاتورة ومآلاتها على أمن القارة والأسواق العالمية.
السياق الغائب و”رابحون وخاسرون” في حسابات السوق
الأرقام التي طرحها ترامب صحيحة، لكن السياق يظل غائباً فالولايات المتحدة لا تنفق هذه المبالغ لحماية أوروبا فحسب، بل إن قواعدها هناك تعزز نفوذها في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتمنحها رأياً مباشراً في الدفاع والسياسة الخارجية للقارة فبعد انتهاء الحرب الباردة، اتخذت أوروبا خياراً واعياً بالاعتماد على الحماية الأمريكية لتوسيع دولة الرفاه، والآن يطرح ترامب الفاتورة لينهي عادة استمرت عقوداً.
وفي خضم هذا الضغط، برزت عدة معطيات بالسوق والميدان:
صعود بولندا: الدولة المتاخمة لروسيا دأبت على زيادة إنفاقها الدفاعي ليقارب 4% من ناتجها المحلي الإجمالي، لتتحول بهدوء إلى النموذج الذي يسعى إليه ترامب، والخيار المفضل الجديد للحلف.
انتعاش الصناعات الدفاعية الأوروبية: المستفيد غير المتوقع هو قطاع السلاح الأوروبي حيث شهدت شركات مثل (راينميتال، وبي إيه إي سيستمز، وتاليس) نمواً سريعاً، وسيتواصل نموها مع اضطرار أوروبا لتمويل دفاعها بنفسها.
منظور الأسواق المالية: تراجع الالتزام الأمريكي يزيد المخاطر الجيوسياسية، مما يرفع الطلب على الأصول الآمنة كالذهب والبيتكوين، بينما يؤدي اتساع عجز الموازنات الأوروبية بفعل الإنفاق العسكري إلى ضغط مباشر على السندات الأوروبية.
“أمريكا أولاً” تنهي الخدمة المجانية وإعادة صياغة لقواعد الشراكة
قال الدكتور إسماعيل تركي، أستاذ العلوم السياسية، في حديثه لـ”القصة”، إن تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن الإنفاق داخل حلف الناتو تعبر بوضوح عن توجهات إدارة ترامب بشأن الاعتراض على تحمل الولايات المتحدة الأمريكية التكلفة الأكبر والتي ذكرها بـ 999 مليار دولار في مقابل أرقام متواضعة من الحلفاء.
وأكد تركي، أن هذا معناه أن إدارة ترامب التي رفعت شعار “أمريكا أولاً” لم تعد تفكر في كيف تحمي الحلفاء، وإنما تفكر فيما هو العائد من هذه الحماية وكيف تستفيد منها فمنذ سنوات يكرر ترامب أن الولايات المتحدة تتحمل النصيب الأكبر من الأعباء الدفاعية للحلف، بينما تستفيد الدول الأوروبية من المظلة الأمنية الأمريكية دون أن تتحمل قدراً متكافئاً وعادلاً من المسؤولية، ومن هذا المنطلق تأتي تصريحاته تأكيداً لرؤية تعتبر أن الأمن لم يعد خدمة مجانية تقدمها واشنطن لحلفائها، بل التزامات ينبغي أن تشارك هذه الدول في تحمل ثمنها.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية، “إن هذه التصريحات تمثل رسالة ضغط سياسية تدفع أوروبا إلى تسريع بناء قدراتها الدفاعية وتقليل اعتمادها على القوة العسكرية الأمريكية ولذلك فإن أوروبا تجد نفسها أمام مرحلة جديدة، إما تعزيز استقلالها الدفاعي، أو الاستمرار في الاعتماد على المظلة الأمريكية مع تحمل تكلفة سياسية ومالية أكبر وفي المقابل، يدرك صانع القرار الأمريكي أن الناتو يمثل أحد أهم أدوات النفوذ الأمريكي في أوروبا، ومن خلاله تحافظ واشنطن على حضورها العسكري والسياسي في القارة، وتوازن القوى مع روسيا، كما يعزز قدرتها على إدارة المنافسة الاستراتيجية مع الصين، وعليه فإن أي حديث عن تقليص الالتزام الأمريكي بالحلف لا يعني بالضرورة التخلي عنه، بل إعادة صياغة قواعد الشراكة داخله”.
وأشار تركي إلى أنه على مستوى الأمن الدولي فإن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى عدة سيناريوهات، أولها زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي وتعزيز الصناعات العسكرية الأوروبية، وثانيها إعادة توزيع الأدوار داخل الحلف بما يمنح الدول الأوروبية مسؤوليات أكبر، وثالثها احتمال ظهور تباينات سياسية داخل الناتو إذا تصاعد الخلاف حول تقاسم الأعباء.
واختتم إسماعيل تركي حديثه، مؤكداً “في تقديري، إذا استمر هذا الخلاف خلال السنوات المقبلة، سيجعل الناتو أمام أكبر اختبار استراتيجي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ليس بسبب تهديدات خارجية، وإنما بسبب إعادة تعريف الولايات المتحدة نفسها لدورها القيادي داخل التحالف وعليه فإن مستقبل الأمن الأوروبي لن يتوقف فقط على قوة الحلف، بل على قدرة أعضائه على بناء شراكة أكثر توازناً، تستند إلى تقاسم الأعباء، ووحدة القرار، وإدراك أن التحالفات لا تبقى قوية إلا عندما يشعر جميع أطرافها بأن تكلفة بقائها أقل من تكلفة انهيارها”.
أوروبا ستصبح مكشوفة دفاعياً وخطة “شمسية” لتعويض النقص
من جانبه، قال الخبير العسكري اللواء سمير فرج لـ”القصة”، إنه بالطبع إذا خفضت الولايات المتحدة التزاماتها داخل الناتو، فإن الدول الأوروبية ليست لديها القدرة على تعويض هذا الالتزام المادي لأن أمريكا تدفع كثيراً جداً من أجل دعم الناتو، وأمريكا اليوم عندها قواعد في كل دول أوروبا، وإذا سحبت هذه القوات من القواعد الأمريكية في أوروبا ستبقى أوروبا دفاعياً مكشوفة أمام أي تهديد.
وأكد فرج أن أوروبا تعتمد على القدرات العسكرية الأمريكية في حاجتين أولاً: المظلة النووية، لأن الناتو لا توجد فيه دولة تمتلك السلاح النووي غير دولتين هما إنجلترا وفرنسا، أما ألمانيا فليس عندها، والدول الأخرى ليس عندها، فهذه أول حاجة وهو اعتماد الدول الأوروبية وحلف الناتو على المظلة النووية الأمريكية ضد أي تهديد آخر، وثانياً: أن السلاح الأمريكي متطور وهو الذي يغذي كل دول أوروبا ودول الناتو، فبالتالي الدفاع الجوي مثلاً وشبكاته هي أصلاً مما تقوم به القواعد العسكرية الأمريكية في الناتو، فبالتالي كل هذا الكلام سيضعف من القوة العسكرية لحلف الناتو.
وأضاف اللواء فرج مبيناً الانعكاسات المباشرة والأعباء المالية:”إن الانعكاسات كلها تتمثل في أن دول حلف الناتو ستبدأ بضخ فلوس أكثر، وإذاً ستأخذ من قطاعات الصحة والتعليم والسوشيال ميديا والأنشطة وكل هذا الكلام من أجل أن ترفع مستوى الدفاع الخاص بها، وهذا هو اليوم ما تتحول به المانيا فالمانيا هي أكثر دولة فيها قواعد عسكرية أمريكية في أوروبا، فإذا سحبت أمريكا نفسها ستبدأ ألمانيا في تقوية جيشها وتدعيمه وتفكر أن تدخل لتصبح عندها سنة هي كمان تجنيد أو تسليح طويلاً، وكل هذا س يضع أعباء على الميزانية الألمانية ويأخذ من التعليم والصحة والإنفاق والكباري، كل هذا الكلام من أجل بناء جيش”.
وأشار الخبير العسكري إلى أنه إذا انسحبت المظلة الأمريكية فإن الناتو لن يكون بالقوة نفسها، لكن لا شك أنه سيعيد تعديل نفسه ويعمل خطة جديدة يعتمد فيها على نفسه، متابعاً: “أعتقد أنها ستكون خطة شمسية لكي يعوض خلال الخمس سنوات النقص الذي سحبته أمريكا، ويعطي لكل دولة حصة ستشارك بها وقد إيه من المشاركة”.
وفي ختام حديثه، أكد اللواء سمير فرج لـ”القصة” رؤيته لطبيعة هذا التهديد قائلاً: “في النهاية أنا أقول إن أمريكا ممكن ألا تعمل هذا الكلام، لكنه مجرد تهديد حلف الناتو، لأن أمريكا كانت تستخدم القوات الأمريكية التي ذهبت لتضرب إيران وتستخدم قواعدها العسكرية في بلادهم، فبالتالي أعتقد أن هذا مجرد تهديد، أو لو سحبت بعض قواتها أو تقلل الإنفاق العسكري في الناتو، فهذا سيعطي فرصة للدول أنها تبدأ تعتمد على نفسها أكثر وأكثر وتحمل وتعمل خطة لاستعادة التوازن العسكري لدول حلف الناتو للدفاع عن أوروبا”.