في جغرافيا لا تتوقف فيها أصوات الطائرات، وتحت أسقف خيام ينهكها الحر وتفتقر لأبسط مقومات الحياة، لم يكن كتاب “التوجيهي” بالنسبة لطلبة قطاع غزة هذا العام مجرد منهاج يدرس ليلة الامتحان، بل كان مقبضاً أخيرًا يتمسكون به لكي لا يبتلعهم الفراغ.
من بين أنقاض المدارس المدمرة، وأزقة المخيمات المكتظة بالوجع، خرجت ثلة من أبناء القطاع بأرقام ومعدلات تشبه المعجزات طلاب خاضوا معركة العلم من المسافة صفر، حاولوا فيها الشموع الذائبة إلى إضاءة للدفاتر، وأصوات القذائف إلى خلفية صامتة لتركيزهم.
من سوار الحمري التي فتشت عن دفاترها تحت الركام لتحصد 99.6%، إلى ليان فياض التي جمعت بين البرونزية العالمية في الرياضيات ومعدل 99.6% على ضوء شمعة خافتة، مروراً بـ ملك كلوب التي قهرت صخب “الزنانة” بـ 99.4%، ووصولاً إلى حسن العطار الذي انتزع 93% من بين أنياب النزوح والفقد.
في هذا التقرير، يفتح “القصة” دفتر الصمود مع أبطال “توجيهي غزة”، ليرووا بلسانهم كيف انتصر الحبر على البارود، وكيف يكتب المستقبل بأصابع لا تعرف الاستسلام.
سوار الحمري (99.6%): “الدفتر الذي نجا من تحت الركام”
تذكر سوار سعيد الحمري جيداً تلك اللحظة التي وقفت فيها أمام بيتها المدمر، لم تبحث بين الركام عن ملابسها، بل كانت تفتش عن دفاترها المدرسية.
تقول سوار لـ “القصة”:”حين رأيت مدرستي مجرد أكياس من الإسمنت المفتت، شعرت بألم خنق حنجرتي لكني اخذت عهداً على نفسي أن القلم لن يسقط من يدي طوال العام، كنت أراجع دروسي على ضوء شمعة ذائبة أو شعلة صغيرة نقتسمها في الخيمة، والحرارة تكاد تخنق أنفاسنا حصولي على 99.6% ليس نصر شخصي فقط إنه ردي الهادئ والبسيط على كل صاروخ حاول أن يجعلنا جهلاء”.
ليان فياض (99.6%): معادلات عالمية تحترق فوقها الشموع
لم تكتفي ليان جميل فياض بانتزاع معدل 99.6% في الثانوية العامة، بل حملت اسم بلدتها و جامعتها المفترضة إلى منصات العالم، بعد أن حصدت الميدالية البرونزية في مسابقة الرياضيات العالمية (IYMC).
تروي ليان لـ “القصة” كواليس تلك الأيام القاسية:”كنت أحل المسائل المعقدة و أدرس الرياضيات المتقدمة في وقت تنقطع فيه شبكة الإنترنت لأيام، والكهرباء معدومة تماماً أستحضر المسألة في عقلي، و أكتب خطوات الحل على هامات الأوراق المتاحة وضوء الهاتف ينفد تدريجياً، بينما ارتجاج الخيمة جراء القصف القريب يربك حركتي، كنت أقول لنفسي: إن لم ننتصر بالعلم هنا، فكيف سنعمر ما هدموه؟ وها نحن نثبت أن العقل الغزي لا يمكن حصاره”.
ملك كلوب (99.4%): صمت الليل الذي قطعه صوت الـ “زنانة”
في الفرع العلمي، كانت ملك إسماعيل كلوب تخوض تحدياً من نوع آخر تحدي التركيز وحفظ المفاهيم المعقدة وسط ضجيج الحرب المستمر.
تقول ملك لـ “القصة”:”أصعب ما في الأمر لم يكن صعوبة المعادلة، بل كيف تجبر عقلك على التركيز والصوت الخاطف للطائرات المسيرة الزنانة يحفر في رأسك طوال الليل كنت أدرس وأنا أستمع لبكاء الأطفال في خيام الجيران من الخوف والدان صبوران كانا يحرمان أنفسهما من الشاي الساخن أو قطرة الماء الباردة ليوفروا لي هدوءا ممكناً لكي أركز هذا المعدل (99.4%) هو هدية حب ووفاء ليديهما اللتين تعبتا معي”.
حسن العطار (93%): ورقة وقلم.. بأغلى من الذهب
من جانبه، يقف حسن أحمد العطار مستذكراً الرحلة التي لم تخل من فقدان الأصدقاء ووجع الفراق، ليحقق معدل 93% في الفرع العلمي.
يحدثنا حسن بنبرة ملؤها الشجن:”في غزة هذا العام، لم تكن المشكلة في فهم الدرس فقط، بل في كيف تجد مكاناً أمناً تجلس فيه، أو كيف تحصل على دفتر وقلم حبر لم ينفد بعد خسرنا أصحاباً كنا ننتظر النتائج معهم، و تنقلنا بين ثلاثة أماكن نزوح بالنسبة لي، هذا المعدل ليس مجرد درجة، بل هو وثيقة ولادة جديدة خرجت من قلب الخوف والنزوح”.
حبر يغلب البارود
تختصر قصص سوار وليان وملك وحسن حالة كاملة يعيشها الجيل الجديد في قطاع غزة، جيل يتعلم كيف يمسك القلم بأصابع جرحى، وكيف يقف على أنقاض المدرسة ليحلم بالجامعة، هي رسالة صحفية وإنسانية صريحة أرسلها هؤلاء الفتية للعالم: أن الحرب قد تهدم السقف، لكنها أبداً لا تستطيع أن تهدم الشغف.