انطلقَ نحو داره في شارع دار الناحية الرئيسي بمنطقة (الشِنيع) طفلٌ هزيلُ البنية، يسبح جسمه النحيل في جلبابه، تدفعه رغبةُ أمِّه المحمومة في أن يكون ذا شأن يرفع رأس أبيه ورأسها، الذي انتكس؛ لكثرة موت أولادها الذكور، وأغلبهم كان ينزل (سقطا) قبل اكتماله.
رأتْ أمي أنَّ فيَّ العِوض، وأنَّ العبرة ليست بالعدد، بل في التربية والتعليم، فحرمت نفسها من القوت؛ لتطعمني، وادَّخرت من مصروفات البيت لتوفر لي ما أطلب من هدايا ولعب، وطالما سمعتُها عقب الصلوات تدعو الله بأنْ (يطرح) فيَّ البركة.
وحتى يتحقق فيَّ مرادُ أمي، أوصت أبي بأن يزجَّ بي في الكتَّاب، فاستجاب على الفور، وتعهدني سيدنا برعايته؛ لنبوغ رآه في، وسرعة حفظ، وسلامة قراءة، فنشأتُ – بفضل القرآن – هادئ الطبع، سهلَ العريكة، ولكنَّ نزق الطفولة، كان يغلبني أحيانا، فأنصرف إلى اللهو واللعب كبقية الأطفال.
التقتْ به أمي يوما في دار خالتي (خضرة)، وأخبرته بأنَّها سترسلني إليه، ليُراجع معي الدروس، ويشرح لي ما غمض، فلم يكذِّب خبرا، أو يعص لأمي أمرا، وقال أهلا ومرحبا به يا خالة.
عقب عصر يومٍ من الأيام، نادتني أمّي بصوتٍ فيه حزم، ودوّت كلماتُها في أذني وهي تقول: «ابن خالتك .. الأستاذ محمد محروس الخولي، ينتظرك اليوم، سيذاكر لك، وإن أشاد بمستواك فلك هدية كبيرة، ولكن اعلم جيدا أنَّه لا يقبل الفوضى، فقد رباه أبوه على الصرامة والحزم» !
أرهفتُ السمع لأمي وسألتُها كيف؟
قالت: اعتاد هو وأخوه المهندس عبده محروس الجلوسَ بين يديه القرفصاء، يضمُّ الواحدُ منهما ذراعيه إلى بعضهما، ولا تسمع لهما همسا، يتفصَّد جبينُهما عرقا، وهما يقرآن في اللوح، وإذا أخطأ أحدهما طالته يدُ العقاب، بعصا كانت بجانبه أثناء جلوسه في وسط الدار.
أفزعتني كلمةُ العصا، فقالت، وقد صكت على أسنانها: نعم العصا، فنشأ كلٌ من عبده ومحمد حازمين لا يعرفان اللعب والفوضى، فإياك أن تغضبه، أو تقصر معه في عمل الواجب.
سمعتُ نصيحة أمي، ويممت وجهي نحو دار الحاج محروس الخولي، أُقدِّم رِجلا طمعا في الهدية الكبيرة، التي وعدتني بها أمي، وأؤخِّر الثانية، كلما استحضرتُ صورة العصا، التي كانت بجوار عمي الحاج محروس الخولي وسط الدار.
سرتُ في الطريق سادر الفكر، شارد اللب، حتى وجدتني أمام باب الدار، فاستقبلتني خالتي (خضرة) بحفاوتها المعهودة مع كلّ قريبٍ أو جار وفد إلى دارها، ونادت يا محمد .. «صبري جه»، فصاح «خلِّيه يطلع يامه». قصدت درجات السلم الطيني، وأنا أتلفتُ يمينا وشمالا أفتِّش عن تلك العصا في وسط الدار، ولكنها كانتْ قد اختفت بعد رحيل عمي الحاج محروس الخولي طيب الله ثراه.
التقي بي الأستاذ محمد محروس الخولي بابتسامة لم تكن تفارق وجهه، رآها كلُّ من عامله عن قرب، وقصده في حاجة له، وسريعا استبطن خبري، ولاحظ تفوقي الدراسي، فتهلّلت أساريرُه، وحدَّد لي أياما أتردد عليه فيها، فلمستُ فيه نبلا فياضا، وألفيته في مادة العلوم بحرا لا ساحل له، لديه قدرة عجيبة، على كشف الغامض، وتذليل الصعوبات، وآنست فيه حنوا وأخوة، أو قل أبوة، ضاعتْ حاليا في دنيا الناس.
حكى لي أكثرُ من قريب أنَّ الأستاذ محمد محروس الخولي نموذجٌ في الوفاء لا مثيل له، ويدٌ ممدودة بالعطاء دائما، وخلقٌ رفيع، وطيبة قلب لا تعرف الضغينة والشحناء.
كان الفقيد – إلى جانب كونه مدرسا من طراز رفيع – إنسانا من طراز رفيع أيضا، وصَّالا للرحم في السراء والضراء، أناملَ تمسح دمعة كلِّ مكروب، وأكفًّا تربت على كتف كلِّ مهموم، وطالما تغنَّى حماي – وهو ابنُ خالته – وحماتي بأخلاقه.
ابتلاه الله بعلة في القلب، احتاج بسببها لإجراء عملية قلب مفتوح، وقبل موعد الجراحة، زار كلَّ أقاربه، كما لو كان يودعهم، ويخاطبهم بلسان حاله بأن يذكروه بالخير.
دخل محمد محروس الخولي حجرة الجراحة، يحدوه أملُ الشفاء، فطالته يدُ المنون، ورحل عن دنيانا تاركا وراءه سيرة عطرة تقْطُر حروفها نبلا ووفاء وإخلاصا.
رحمك الله يا من نقشت بأفعالك الراقية أثرا في رأسي وأنا طفلٌ صغير، وتركت جروحا لا تندمل في قلب كلِّ من عاملك وخالطك .
من غِواية السيرة الذاتية وناس القرية الطيبين.