لم يعد مضيق هرمز مجرد شريان ملاحي استراتيجي تتدافع عبره ناقلات النفط للأسواق العالمية، بل تحول إلى أثقل ورقة ضغط سياسية واقتصادية على طاولة التسويات الإقليمية والمناورات الشرق أوسطية، فبعد هبوط حركة المرور اليومية إلى مستويات قياسية مقارنة بما قبل الحرب، انتقلت المعادلة رسمياً من مواجهة عسكرية في عرض البحر إلى “تفاوض مباشر على فاتورة الحرب وتكلفة حرية الملاحة”.
تطرح طهران معادلة غير مسبوقة تربط فيها استعادة السيادة الملاحية والتأمين في المضيق بشرطية ناعمة وقاسية: رفع العقوبات النفطية كاملاً، والإفراج الفوري عن الأصول الإيرانية المجمدة، وتقديم التعويضات المالية عن الأضرار الناجمة عن الضربات، وصولاً إلى إنهاء العمليات العسكرية في المنطقة وبينما تروج طهران لبروتوكولات تقديم خدمات أمنية وبحرية بالتعاون مع عُمان، يرى المجتمع الدولي في هذا التحول سابقة خطيرة تستغل موقع الممر المائي للضغط على حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة لانتزاع تنازلات سياسية واسعة.
نقل الأزمة من المواجهة العسكرية إلى تفاوض حزمة المصالح
أكد الدكتور مختار غباشي، في حديثه لـ”القصة”، أن ربط فتح المضيق بملفات معقدة كرفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة والتعويضات ينقل الأزمة برمتها من مجرد مواجهة عسكرية إلى تفاوض على حزمة مصالح كاملة.
وأوضح غباشي الحدود والمسارات المفصلية لهذه الاستراتيجية: محاولة انتزاع المكاسب تحاول طهران تحويل قدرتها الميدانية على التأثير في حركة الملاحة إلى مكاسب سياسية واقتصادية مباشرة، وتوظيف المضيق كورقة ضغط على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي.
مخاطر انقلاب الورقة إلى عبء، أشار غباشي إلى أن طهران تخاطر بأن تتحول ورقة هرمز إلى عبء كبير عليها إذا طال الإغلاق، وتضررت مصالحها الاقتصادية، وتصاعدت الضغوط الدولية عليها.
حدود الضغط الإيراني وشروط التنازل الأمريكي
أشار المحلل السياسي إلى أن إيران تستطيع استخدام هرمز كورقة ضغط، لكن من الصعب أن تحافظ عليه كورقة تفاوض مفتوحة إلى ما لا نهاية لأن المضيق مصلحة دولية عامة، وكلما طال تعطيل الملاحة زادت احتمالات ظهور ترتيبات دولية وإقليمية لتقليل الاعتماد عليه.
وأضاف غباشي، متناولاً الموقف الأمريكي والبدائل المتاحة للواشنطن بأن الأقرب للواقع أن تقبل واشنطن بتسويات مرحلية ومحددة في ملف العقوبات أو الأصول مقابل ضمانات واضحة لحرية الملاحة، بدلاً من تقديم تنازل شامل لإيران، كما أنه تحتاج الولايات المتحدة لإخراج أي اتفاق باعتباره “ترتيباً أمنياً” وليس صفقة فرضتها طهران بالكامل.
الوساطة الإقليمية وفاتورة استمرار الأزمة
أوضح مختار غباشي أن الاتفاق الإيراني العماني المقترح، في حال نجاحه، قد يكون نموذجاً مهما للوساطة الإقليمية بفضل تاريخ عُمان في التواصل بين واشنطن وطهران، مشدداً في الوقت ذاته على أن أمن هرمز أكبر من أن تديره دولتان وحدهما؛ لارتباطه بدول الخليج، والقوى الدولية، وسوق الطاقة العالمي.
واختتم غباشي حديثه لـ”القصة”، مؤكداً السيناريوهات المستقبلية للأسعار والتكلفة، في البداية ستتوزع التكلفة بين الجميع، لكن المستهلك العالمي سيكون الطرف الأكثر تعرضاً للفاتورة عبر ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين، كما أن إيران قد تخسر من تراجع صادراتها، وأمريكا ستتحمل تكلفة عسكرية واقتصادية متزايدة؛ ما يجعل استمرار الأزمة ليس مكسباً صافياً لأي طرف.