7 جولات من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل لم تنجح حتى الآن في نقل التهدئة من حيز النقاش إلى اتفاق حاسم ينهي التصعيد في الجنوب اللبناني. فعلى طاولة التفاوض، تتكرر ملفات الانسحاب والترتيبات الأمنية ومراحل تنفيذ أي تفاهم محتمل، بينما يظل الميدان مفتوحًا على احتمالات التصعيد، مع استمرار الضربات الإسرائيلية وسقوط قتلى وجرحى في الجنوب.
وبينما يحاول لبنان تثبيت مطالبه والحيلولة دون تكريس واقع ميداني جديد، تتمسك إسرائيل بهامش أمني وعسكري داخل الأراضي اللبنانية، ما يضع المفاوضات أمام معادلة معقدة: تسوية سياسية من جهة، وتغييرات ميدانية متسارعة من جهة أخرى.
وتطرح هذه التطورات سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل تسعى إسرائيل فعلًا إلى اتفاق ينهي المواجهة، أم أن المفاوضات باتت غطاءً سياسيًا لمسار آخر يجري على الأرض؟ فاستمرار التفاوض لا يعني بالضرورة تراجع التصعيد، وقد تتزامن الجولات مع تحركات ميدانية تفرض معادلات جديدة على لبنان.
نتنياهو والانتخابات
وفي هذا السياق، قال الدبلوماسي والسفير اللبناني السابق، الدكتور مسعود معلوف، لـ”القصة”، إن الأمور لا تزال معقدة بعد سبع جولات من التفاوض، مرجعًا ذلك إلى أن بنيامين نتنياهو لا يريد إنهاء الحرب.
وأوضح معلوف أن مصلحة نتنياهو تكمن في استمرار الحروب على جبهات متعددة، حتى يظهر أمام الناخب الإسرائيلي باعتباره المسؤول عن الدفاع عن الإسرائيليين وحمايتهم على أكثر من جبهة.
وأضاف أن ذلك يأتي بالتزامن مع الانتخابات التشريعية المقررة في إسرائيل في 27 أكتوبر، مشيرًا إلى أنه في حال عدم فوز حزب الليكود، حزب نتنياهو، في الانتخابات، فلن يعود إلى رئاسة الوزراء، كما سيخسر الحصانة التي تحميه حاليًا من المحاكمات المرتبطة بقضايا الفساد، ومن المحتمل جدًا أن يدخل السجن.
وتابع: “لذلك يهمه كثيرًا الفوز في هذه الانتخابات، ويرى أن طريق الفوز يمر عبر الجنوب”.
شروط إسرائيل تتغير
وقال الدكتور مسعود إن إسرائيل تهتم كثيرًا بتحسين شروطها، لكنه يرى أن نتنياهو معني باستمرار الحرب، ولذلك يواصل، بحسب تقديره، خرق وقف إطلاق النار وتنفيذ العمليات العسكرية في الجنوب، من أجل الظهور بمظهر من يحمي الإسرائيليين.
وأشار إلى أن إسرائيل تحاول في الوقت نفسه تحسين شروط التفاوض، لافتًا إلى أن الحديث الإسرائيلي عن طبيعة الوجود في جنوب لبنان يتزامن مع تصاعد الحديث عن مفهوم «إسرائيل الكبرى»، وهو المفهوم الذي تحدث عنه نتنياهو خلال الفترة الأخيرة.
وأضاف أن خريطة لإسرائيل ظهرت مجددًا قبل نحو أسبوع أو عشرة أيام، وصادرة عن وزارة الخارجية الإسرائيلية، وتظهر فيها مناطق من جنوب لبنان وكأنها جزء من إسرائيل.
وتابع أن عددًا من المسؤولين والوزراء الإسرائيليين، ومن بينهم وزير الحرب إسرائيل كاتس، قالوا إن إسرائيل لا تنوي الانسحاب من جنوب لبنان، ومن “المنطقة الصفراء”، ولا من مناطق في سوريا أو من قطاع غزة.
لبنان يخشى “الخط الدائم”
وأكد معلوف أن هذه الملفات تمثل أهمية للحكومة الإسرائيلية الحالية، لكن من الضروري انتظار انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر لمعرفة ما إذا كانت هذه التوجهات ستستمر.
وقال إن لبنان يخشى بالفعل أن تحول إسرائيل «الخط الأصفر» إلى خط احتلال دائم، مشيرًا إلى أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة والمتشددة تتحدث باستمرار عن عدم الانسحاب والبقاء في تلك المناطق.
وأضاف أن هذا السيناريو دفع لبنان إلى التحرك، موضحًا أن رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون تواصل مع الإدارة الأمريكية، وكذلك رئيس الحكومة، في محاولة للتعامل مع هذه المخاوف.
سلاح حزب الله
وفي ملف سلاح حزب الله، قال معلوف إن كلًا من إسرائيل وإيران تستخدمان سلاح الحزب لتحقيق أهدافهما، موضحًا أن إسرائيل تعظم وتبالغ، بحسب تقديره، في حجم الخطر الذي يمكن أن يشكله سلاح حزب الله، بما يخدم استمرار الحرب ويعزز صورة نتنياهو باعتباره الشخص القادر على حماية الإسرائيليين.
وأضاف أن إيران تستخدم حزب الله أيضًا للضغط على إسرائيل، ومن خلالها على الولايات المتحدة، بهدف تحسين شروط وقف إطلاق النار بينها وبين إسرائيل.
وأكد أن مسألة سلاح حزب الله “حيوية وأساسية” بالنسبة إلى لبنان، مشيرًا إلى أن الرئيس جوزيف عون قال في خطاب القسم، عقب انتخابه رئيسًا للجمهورية، إن السلاح ينبغي أن يكون في يد الحكومة وحدها، باعتبارها صاحبة القرار في الحرب والسلم.
وأضاف أن حكومة رئيس الوزراء نواف سلام اتخذت القرار نفسه، معتبرًا أن الأمر أصبح قرارًا متخذًا.
“اتفاقيات إبراهيم” على الطاولة
ويرى معلوف أن إسرائيل تهتم كثيرًا بالتوصل إلى اتفاق سلام في إطار “اتفاقيات إبراهيم” التي أسس لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، معتبرًا أن إقامة علاقات جيدة مع لبنان يمكن أن تمنح نتنياهو، أو أي رئيس حكومة إسرائيلي، فرصة للتباهي بتحقيق “سلام جديد”.
وأضاف أن ترامب يهتم بدوره بالوصول إلى مثل هذا الاتفاق، لكن لبنان، بحسب تقديره، لا يستطيع الوصول إلى هذه المرحلة في الوقت الحالي.
وأوضح أن ما يهم لبنان أيضًا هو التوصل إلى اتفاق عدم اعتداء، ووقف العمليات العسكرية، مشيرًا إلى أنه في عام 2002 عُقدت قمة عربية في بيروت، صدر عنها قرار بأن الدول العربية ستكون مستعدة لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل في حال انسحابها من الأراضي المحتلة والأراضي الفلسطينية وقيام دولة فلسطينية.
اتفاق قبل الانتخابات؟
وحذر معلوف من أن كل السيناريوهات تظل محتملة طالما أن الحكومة اليمينية المتطرفة موجودة في إسرائيل، معتبرًا أن ما يهم هذه الحكومة، ونتنياهو تحديدًا، قبل كل شيء هو استمرار الحروب.
وقال إنه لا يعتقد في الوقت الحالي أن المفاوضات التي تسبق الانتخابات يمكن أن تؤدي إلى حل لهذه المسألة، مضيفًا أنه لا يتوقع التوصل إلى أي اتفاق قبل الانتخابات الإسرائيلية.
وتابع أنه حتى إذا جرى التوصل إلى اتفاق، فإن نتنياهو سيخرقه، وفق تقديره، للأسباب التي سبق أن ذكرها، مضيفًا أن كل شيء يبقى ممكنًا، وأن المفاوضات لا تؤدي بالضرورة إلى نتيجة.
وأشار إلى أنه في ظل وجود الحكومة الإسرائيلية الحالية، لا يمكن استبعاد أن يكتشف اللبنانيون لاحقًا أن التفاوض “كان على الورق”، بينما جاءت النتائج مختلفة عما جرى التوافق عليه خلال المفاوضات.
تجربة نوفمبر تعود
واستشهد معلوف بما حدث في نوفمبر 2024، عندما جرى التوصل إلى اتفاق لوقف العمليات العدائية، إلا أن إسرائيل، بحسب قوله، واصلت عملياتها العسكرية، ولم تتوقف العمليات العدائية الإسرائيلية ضد لبنان.
وأضاف أن إسرائيل تواصل خلال المفاوضات الحالية تنفيذ عمليات عسكرية ضد الشعب اللبناني وتدمير القرى والبلدات، معتبرًا أن هذا السلوك لا يتوافق مع “عقلية التفاوض”، لكنه يرى في الوقت نفسه أن هذا هو ما تريده إسرائيل وما يريده نتنياهو لأنه يحقق مصلحته.
وفي ختام حديثه، لم يستبعد معلوف التوصل إلى اتفاق بضغط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، موضحًا أن ترامب معني بأن يظهر أمام العالم بمظهر القادر على حل المشكلات.