المطالبة بالتداول الديمقراطية لم تعد رفاهية
رئيس الجمهورية صاحب الخطوة الأولى للانتقال الديمقراطي
لا انتقال ديمقراطي دون حريات وحوار مجتمعي حقيقي
المعارضة والسلطة اهدرتا فرصا عديدة للانتقال الديمقراطي
تحقيق الانتقال الديمقراطي عبر صندوق الانتخابات وحده وهم
يفتح “القصة” لقرائه الملف الشائك الخاص بالانتقال الديمقراطي في مصر، ويحاور نخبة من السياسيين والحقوقيين من مختلف الأجيال والتيارات، بهدف الحصول على إجابات وافية تمثل خارطة طريق لتنفيذ الانتقال الديمقراطي في بلادنا.
نسأل بوضوح وبعيدا عن الخطوط الحمراء، كيف ننتقل لدولة ديمقراطية، وما هو دور السلطة والمعارضة في هذا الأمر. وهل يمكن الانتقال الديمقراطي عبر صندوق الانتخابات؟ والسؤال الأهم الذي نحتاج إجابة عليه، هل نحتاج لتعديل دستوري فعلا، أم نحتاج فقط لتطبيق دستور 2014 وتعديلاته، الذي أهملت السلطة تطبيق الكثير منه؟
كل هذه الأسئلة وأكثر طرحناها على المحامي والحقوقي، أسعد هيكل، فإلى نص الحوار.
كيف ترى المطالبة بالانتقال الديمقراطي في مصر؟
المطالبة بالتداول السلمي للسلطة والتغيير الديمقراطي لم تعد رفاهية سياسية، بل هي مطالب مستحقة للشعب المصري، بدءا من الأزمة التاريخية التي عرفت بأزمة الديمقراطية في مارس 1954 التي وعد فيها مجلس قيادة ثورة 23 يوليو بعودة الديمقراطية، والديمقراطية لم تعد لمصر على مدار أكثر من سبعين عاماً، بل حدث تراجع في مسار مصر الديمقراطي الصحيح، الذي كان محصلة لنضال المصريين عقب ثورة 19، حيث انتهجت الحكومات والسلطات المتعاقبة على مدار العقود الماضية نهج الديكتاتورية والانفراد بالسلطة، دون سماح برقابة أو مساءلة، أو مشاركة حقيقية من الشعب صاحب السلطة.
ماذا نحتاج لاتخاذ هذه الخطوة؟
في الواقع الانتقال الديمقراطي يتوقف على رؤية وإرادة رئيس الجمهورية في اتخاذ هذه الخطوة التاريخية. فالرئيس بحكم الواقع والدستور هو الذي يملك جميع السلطات في الدولة. فعلى الرغم من آلاف المبادرات والآراء والنصائح التي قدمها كبار ورموز الكتاب والمفكرين والسياسيين المصريين عبر عشرات السنوات الماضية، فإن كافة هذه الحكومات لم تستجب لها، ما أدى إلى كوارث متراكمة كان أبرزها نكسة 1967. ثم السياسات الاقتصادية الخاطئة التي أدت إلى نشوء طبقة من الرأسمالية المستغلة. كما تراجعت الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، وزادت معدلات البطالة. ووصلت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى نحو 33% وفق البيانات الرسمية. وازداد معدل الجرائم، وتراجعت القيم الأخلاقية والسلوكية للمجتمع المصري. لذلك بات من المُلِح تحقيق انتقال ديمقراطي آمن في مصر.
وكيف يمكن تحقيق هذا الانتقال؟
لتحقيق هذا الانتقال الآمن، يتعين على السلطة إطلاق حرية الرأي والتعبير، وإطلاق سراح المحبوسين على ذمة قضايا رأي وسياسة. والبدء في حوار وطني حقيقي بين السلطة وممثلي المعارضة ورموز المجتمع، يرتكز على مبادئ واستحقاقات دستورية. أهم تلك الاستحقاقات نص المادة الخامسة من الدستور التي تنص على أنه “يقوم النظام السياسي على أساس التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، وفصل السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسؤولية مع السلطة، واحترام حقوق الإنسان والحريات، على النحو المبين في الدستور”.
ماذا عن أدوار السلطة والمعارضة في الانتقال الديمقراطي؟
لا يمكن إعفاء المعارضة أو السلطة من مسئولياتهما التاريخية عن إهدار الفرص التراكمية في هذا الملف. فقد كانت هناك فرص تاريخية غير مسبوقة عقب ثورتي 25 يناير و30 يونيو، وفي ظل المرحلة الانتقالية التي تلت ذلك لتغيير ديمقراطي حقيقي. وربما كان تحالف 30 يونيو هو الأرضية الصلبة لتأسيس مرحلة جديدة قائمة على الشراكة وتداول السلطة عبر حكومة ائتلافية تتسع للجميع. ولو حدث ذلك، كان هذا سيغير وجه الحياة السياسية والاقتصادية في مصر. لكن ما حدث أدى إلى تبدد هذه الفرصة لأسباب متعددة، منها ممارسات جماعة الإخوان المسلمين ولجوء الجماعات المتطرفة إلى العنف والإرهاب. إلى جانب تراجع الإرادة لدى السلطة في إحداث هذا التحول الديمقراطي. فضلا عن أزمة “الأنا” والتشرذم التي أصابت القوى المدنية ذاتها.
كيف يمكن لرجال الفكر والسياسة التأثير في هذا الأمر؟
يتعين على أصحاب الفكر والسياسيين قراءة المشهد بإنصاف وموضوعية. وتفهُّم مخاوف السلطة. فهناك تخوفا واضحا لدى السلطة من فتح المجال العام بحرية كاملة ودون ضمانات، خشية استغلال ذلك من قوى التطرف أو إعادة إنتاج أزمات الماضي، في ظل حالة “الوعي المجتمعي” التي لا تزال في حاجة إلى مزيد من النضج والتثقيف. وفي الحقيقة هذا التخوف “مشروع وواقعي”، ولابد أن تضع القوى الوطنية هذه المخاوف في اعتبارها، وأن تطرح في المقابل ضمانات حقيقية، كما يتعين على القيادات الحزبية الجادة الاجتماع والتناقش وتجاوز خلافات الماضي، ووضع وتقديم برنامج عمل موحد يرتكز على أسس بناء الدولة المدنية الوطنية والدستورية.
هل نحتاج أجيالا جديدة تنفذ لك؟
مصر في أشد الحاجة إلى ضخ جيل جديد من شبابها يعالج حالة الوعي المجتمعي. إلى جانب كوادر سياسية ونقابية شبابية مؤهلة وقادرة على قيادة مرحلة الانتقال الديمقراطي المأمول. بدون الشباب لن نتمكن من القيام بأي خطوة جديدة.
هل يمكن الانتقال الديمقراطي عبر صندوق الانتخابات؟
من يتصور أن الانتقال الديمقراطي في مصر، في ظل الأحوال الحالية، يمكن أن يتحقق عبر صندوق الانتخابات وحده، فهو “واهم وغائب عن الواقع”. فالصندوق في ظل غياب ضمانات الوعي الانتخابي لا ينتج ديمقراطية، ولا ينتج إلا إعادة تدوير وتكرار لنتائج الماضي. والحقيقة التي نعيشها أن الناخبين في بلادنا غالبا ما يتأثرون بالمال السياسي أو الدعاية الموجهة. وهو ما يفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الحقيقي.
كما أن الانتقال الديمقراطي عبر الانتخابات يحتاج إلى ضوابط مرحلية وزمنية، نحتاج خلالها إلى تعديل التشريعات المنظمة للانتخابات بوضع ضوابط صارمة تجرم استخدام المال السياسي أو الخطاب الديني الموجه. واستخدام المساعدات العينية كأداة للدعاية. مع قصر حق التصويت خلال مرحلة انتقالية مدتها من 10 إلى 15 عاما على من يحمل على الأقل شهادة مؤهل متوسط. على أن تكون هذه الفترة مهلة لسلطات الدولة والأحزاب السياسية لمحو الأمية الانتخابية ونشر الثقافة السياسية وبناء وعي جديد لدى كافة طبقات الشعب.
وماذا عن تعديل الدستور؟
ربما نواجه خلال السنوات القليلة القادمة إشكالية وتحد دستوري وسياسي كبير، في حال ما إذا رغب رئيس الجمهورية في الترشح لفترة ولاية ثالثة. فالنص الدستوري الحالي صريح وواضح في عدم أحقية رئيس الجمهورية في الترشح لمدة رئاسية ثالثة، وفقا للمادة (140) من الدستور التي قررت: “يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة ست سنوات ميلادية. ولا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين”. لذلك، فأي رغبة في استمرار الرئيس في منصبه ستفرض حتما التوجه نحو تعديل دستوري جديد. وهو ما يضع الشارع والقوى السياسية أمام تساؤلات حقيقية حول مدى جدية السلطة في تطبيق مبدأ “التداول السلمي للسلطة”.
كما أن إجراءات تعديل الدستور تبدأ بطلب من الرئيس أو خُمس أعضاء مجلس النواب، وفقا لنص المادة (226) من الدستور. وأعتقد أنه من منطلق الصالح العام للبلاد، فإن أي حديث عن تعديل الدستور لا بد أن يسبقه “مؤتمر سياسي” جاد يشمل جميع قوى المجتمع المصري من سلطة ومعارضة ورموز فكرية وسياسية، تناقش فيه تلك التعديلات قبل الشروع في طلبها، جنبا إلى جنب مع مبدأ تداول السلطة.
ما هي أبرز العقبات أمام الانتقال الديمقراطي في مصر؟
أبرز العقبات التي تعرقل الانتقال الديمقراطي الحقيقي وتفرغ العملية السياسية من مضمونها، تتلخص في عملية تجريف وتغييب الوعي العام المستمرة منذ عشرات السنين، ووأد الحياة السياسية، وتأثير ذلك الجوهري والمباشر على صندوق الانتخابات، مما يؤدي إلى تزييف إرادة الناخبين، وعدم إنتاج برلمان يمثل الشعب ويعبر عنه تعبيرا حقيقيا، من خلال أمرين أساسيين، الأول هو استغلال وتوجيه إرادة الناخب بالمال السياسي والرشوة الانتخابية، وهو ما تمارسه “الرأسمالية المستغلة” التي لا تكتفي بالاستغلال الاقتصادي وحسب، بل تمتد لاستغلال السياسي للفقر والعوز، مما يسهل شراء وتوجيه أصوات قطاع واسع من الناخبين. أما الأمر الثاني هو استغلال الخطاب الديني المغلوط، الذي يوظف الدين من أجل مكاسب سياسية. وهو الخطاب الذي تجيده وتوظفه بعض الجماعات، مستغلة العاطفة الدينية لدى معظم الناخبين.
كيف يمكننا مواجهة تلك العقبات؟
مواجهة هذه العقبات تتطلب توافر إرادة سياسية لدى السلطة، وقرارات شجاعة نحو انتقال حقيقي للديمقراطية وتداول السلطة. وربما يسهم في مواجهة تلك العقبات عقد “مؤتمر سياسي جاد” يشمل كافة القوى السياسية في مصر. يناقش تلك الأمور من خلال ورش عمل تضم رموز المجتمع المصري على مدار عدة أيام، شريطة أن تتعهد السلطة بأن تنفذ ما سينتهي إليه هذا المؤتمر من قرارات سياسية.
من وجهة نظرك، ما هي أول خطوة في هذا المسار؟
الإجابة على هذا السؤال تعني أننا وضعنا أيدينا على بداية المسار الصحيح لتلافي أخطاء الماضي وتجاوز حالة التردي والتراجع التي حدثت في كافة المناحي الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية في البلاد. أعتقد أن الخطوة الأولى الصحيحة لدى رئيس الجمهورية. فهو صاحب الإرادة الأولى والأخيرة في اتخاذ القرار. وإذا اتخذ هذا القرار فهو الضامن الأول والآمن لعملية الانتقال الديمقراطي بالكامل. وهو ما يتطلب “مبادرة رئاسية تاريخية” تضمن تكليف رئيس وزراء جديد من السياسيين يتمتع بالقبول والشعبية والقرب من هموم ومشاكل المواطنين. على أن يشكل وزارة ائتلاف وطني من وزراء سياسيين، مع منحه ووزراءه كافة صلاحياتهم وسلطاتهم الدستورية والتنفيذية. على أن يخضعوا لرقابة ومساءلة سياسية حقيقية أمام برلمان منتخب انتخابا صحيحا من الشعب.
ويظل رئيس الجمهورية صاحب الحق الدستوري في اختيار وزراء الوزارات السيادية، وهي الدفاع والداخلية والخارجية والعدل. كضمانة أساسية لاستقرار الدولة، وتأكيد لدور الرئيس كحكم بين السلطات وراع لمصالح الشعب وحافظ لسلامة الوطن. وأدعوه، بعد توجيه الشكر له على ما قدمه للبلاد، إلى اتخاذ هذه المبادرة التاريخية. كونها الضمانة الوحيدة لاستقرار الوطن وتقدمه وتأسيس أول انتقال ديمقراطي وسياسي سلمي وآمن في تاريخ مصر الحديث.