تتحول الأراضي السورية مجددًا إلى حلبة تتقاطع فيها طموحات القوى الإقليمية، حيث تعيد الغارات الإسرائيلية الأخيرة على مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب رسم قواعد الاشتباك، مؤكدة أن الجغرافيا السورية لم تعد مجرد “ورقة” في مفاوضات التسوية، بل أصبحت خطًا أماميًا للصراع التركي-الإسرائيلي المباشر.
شرارة إدلب: صراع الحافة
الضربات التي استهدفت المطار، الذي كان يشهد عمليات ترميم بدعم تركي، جاءت بمثابة إعلان إسرائيلي عن رفض “الأمر الواقع” الجديد الذي ترعاه أنقرة في الشمال. فبينما يرى مكتب نتنياهو في أي انتشار عسكري تركي “تهديدًا وجوديًا” يكسر معادلة الردع في الجنوب، تصر أنقرة على حقها في تأمين عمقها الاستراتيجي. هذا التصعيد يضع حكومة “أحمد الشرع” في دمشق أمام اختبار سيادي صعب، حيث تجد نفسها عالقة بين نفوذ تركي متصاعد شمالًا، وتوغل عسكري إسرائيلي يسعى لفرض “حزام أمني” يهدف إلى الهيمنة على مناطق تربط حدودها مع لبنان والأردن وحتى العراق في أقصى الشرق!
الدور الأمريكي: “دبلوماسية التهدئة” المنهكة
في غرف صناعة القرار بواشنطن، تتزايد حالة الإحباط من “استراتيجية الاستباق” الإسرائيلية التي تُحرج الإدارة الأمريكية. فقد جاءت تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا، توم باراك، قاسية وصريحة في وصفها للهجوم الإسرائيلي بأنه “تصعيد غير ضروري” لا يخدم استقرار المنطقة، مؤكدًا أن واشنطن تضغط باتجاه “خطاب منطقي” بدلًا من الانجرار لمواجهات مفتوحة. تعكس تصريحات باراك مسعى واشنطن لتطويق النزاع عبر خلق آلية “لفض الاشتباك”، في محاولة للحفاظ على توازن دقيق يمنع تحول التنافس الإقليمي إلى حرب شاملة تخرج عن السيطرة.
قمة الناتو في أنقرة: تحول استراتيجي للجناح الشرقي
لم تكن قمة حلف الناتو التي استضافتها أنقرة في يوليو 2026 مجرد حدث بروتوكولي، بل كانت إعلانًا عن بروز تركيا كعمود فقري للاستراتيجية الحديثة للحلف في الشرق الأوسط. من خلال احتضان هياكل قيادة جديدة في أضنة وإسطنبول، عززت تركيا موقعها كلاعب لا غنى عنه، مما يمنحها غطاءً دوليًا يضيق مساحة المناورة أمام إسرائيل. هذا الدور الجديد يجعل من الساحة السورية اختبارًا لقدرة الناتو على احتواء التنافس بين أعضائه وشركائه، ويؤكد أن الاستراتيجية الأطلسية لم تعد تقتصر على الحدود الشمالية، بل باتت تمتد لتشمل استقرار الإقليم ككل كجزء من أمن أوروبا.
تحليل الاستراتيجية الإسرائيلية في التوغل بالجنوب السوري
تتبع إسرائيل في جنوب سوريا استراتيجية هجومية قائمة على الاستباق وتثبيت وقائع ميدانية قسرية. فمنذ التغيرات السياسية الكبرى في دمشق، عمدت القوات الإسرائيلية إلى تجاوز اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، متوغلة في محافظتي القنيطرة ودرعا عبر إنشاء شبكة من القواعد العسكرية المتقدمة، وشق طرق استراتيجية، وتنفيذ عمليات دهم وتفتيش دورية.
تسعى تل أبيب من خلال هذه العمليات إلى تحقيق عدة أهداف مركزية:
خلق عمق أمني عازل: منع أي تمازج أو تمركز عسكري يعيد بناء قدرات الجيش السوري قرب الحدود.
قطع طرق الإمداد: تحييد وقطع أي ممرات محتملة لنقل الأسلحة عبر الأراضي السورية.
فرض هيمنة استخباراتية: استغلال الفراغ الإداري والمحلي لتقويض أي استقرار مركزي في الجنوب، واستهداف البنى التحتية العسكرية الحساسة مثل مطار أبو الظهور في الشمال لمنع أي تمركز تركي-سوري مشترك يهدد تفوقها الجوي والميداني.
والأهم من هذا كله هو ضمان ضم هضبة الجولان إلى الأبد، وعدم وجود فرصة لدى السوريين مستقبلًا لاستعادتها.
تقييم الدور العسكري التركي ضمن استراتيجية الناتو الحديثة
في المقابل، تُمثل تركيا ركيزة محورية متصاعدة داخل الهيكلية الأمنية الحديثة لحلف شمال الأطلسي (الناتو). فخلال القمم والتحولات الاستراتيجية الأخيرة للحلف، نجحت أنقرة في توظيف موقعها الجيوسياسي الفريد على تقاطع البحر الأسود، وشرق المتوسط، وفي قلب الشرق الأوسط، لتلعب دور “البوابة الاستراتيجية”.
التوسع في القيادة العسكرية: عززت تركيا مكانتها عبر استضافة وتطوير بنيان أمني وعسكري متطور، شمل تأسيس هياكل قيادة جديدة ومنظومات عمليات بحرية وبرية ترتبط بالتنسيق الأطلسي لضبط الاستقرار الإقليمي ومواجهة التهديدات المشتركة.
العمق الاستراتيجي الشمالي: تترجم أنقرة هذا الوزن الأطلسي المكتسب على الأرض السورية عبر الإمساك بملفات الشمال السوري وعمق دمشق، مما منحها أوراق ضغط قوية تجعل حلف الناتو عاجزًا عن تجاهل المصالح الأمنية التركية عند مقاربة أمن الجناح الشرقي والجنوبي للحلف.
الساحة السورية مسرحًا لإظهار القوة
تتجسد على الأراضي السورية واحدة من أمعن صور صراع النفوذ الإقليمي والدولي تعقيدًا، حيث تتقاطع الطموحات العسكرية والأمنية لكل من إسرائيل وتركيا وسط بيئة استراتيجية متحولة.
إن الساحة السورية اليوم ليست سوى مرآة لتفكك التوازنات القديمة، وبزوغ نظام إقليمي هجين؛ حيث لم يعد الصراع محصورًا بين سلطة “الأمر الواقع” في دمشق ومعارضتها، بل أصبح صراعًا على هوية الإقليم ونفوذ اللاعبين الكبار الذين يرقصون على حافة الهاوية، منتظرين كلمة الفصل في واشنطن وعواصم القرار الدولية.