الركن الأساسي في السياسة هو المعارضة التي نفتقد وجودها
الحريات مرتبطة بالمشهد السياسي.. والإصلاح يحتاج قرارا رئاسيا
ما دام كل شيء يدار من قِبَل الدولة فلا عمل حر لأحزاب ولا حركات
مجلس النواب “مش موجود”.. ولدينا مليون كارثة تخص المواطن وتحتاج وجوده
إذا كان هناك إرادة لتصحيح الأوضاع فلا بد من تصفية ملف سجناء الرأي
لا رغبة لدى السلطة في الإصلاح السياسي.. والدولة “مرتاحة” للوضع الحالي
في ظل احتياجنا لسياسات جديدة تخرجنا من النفق المظلم الذي تقبع فيه الدولة المصرية حاليا، فتح “القصة” الباب أمام شباب السياسيين للحديث عن رؤيتهم للواقع الذي نعيشه، وما تحتاجه الدولة في السنوات المقبلة.
من بين شباب السياسيين أجرينا هذا الحوار مع الصحفي والسياسي ناصر عبدالحميد، عضو ائتلاف شباب الثورة سابقا، فإلى نص الحوار.
ما تقييمك للمشهد السياسي الحالي؟
ليس لدينا مشهد سياسي بالمعنى المتعارف عليه. وإذا تواجد فهو غير مكتمل الأركان، لإن الركن الأساسي فيه ركن المعارضة، وهو غير موجود لدينا. لكن لدينا تسيير للأعمال السياسية عبر المؤسسات الطبيعية.
الانتخابات الأخيرة التي علَّق عليها رئيس الجمهورية نفسه بعد الجولة الأولى لم يتم تصحيح مسارها، وبالتالي نحن أمام تشكيل تعلم الدولة وتعي أنه غير مناسب، وهو ما يضع السلطة التشريعية في حرج.
كيف ترى حالة الحريات في مصر؟
الحريات مرتبطة بالمشهد السياسي بشكل مباشر، كصحافة وتليفزيون وكتابة وفن وغيره. وعدم وجود معنى وقوام للمشهد السياسي يسهم في تراجع الحريات بشكل عام. فأغلب القنوات والجرايد لدينا مملوكة لشركة واحدة تابعة للدولة، ما يسهم في غلق المجال العام، ويعبر عن اختناق واضح وانغلاق ظاهر. حيث لم يعد لدينا فرصة للحديث عن المشكلات أو الأزمات أو التعبيير عن الآراء المختلفة. فالموجود يعبر عن رأي الدولة فقط. لذلك، اتجه الجمهور لمواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن آرائهم وغضبهم. لكن حتى هذا غير مأمون، لأن الحبس في قضايا الرأي والتعبير والنشر أصبح أمرا عاديا في بلادنا. والبعض يُلقى بهم في السجون بسبب تدوينة أو تغريدة على مواقع التواصل. فأعتقد إننا في لحظة لا تحمل أي مساحة حرية أو رأي نهائيا.
هل الأحزاب أمامها فرصة للعمل على الأرض؟
لا توجد أي فرصة أمام الأحزاب أو الحركات للعمل. ما دامت الترتيبات للانتخابات، وما دام الوجود السياسي مُدار تماما من قِبَل الدولة فلا يوجد حزب سيلفت الأنظار بعمله. لأنه ببساطة غير حر في العمل. ويظل السؤال حول كل ما تفعله الأحزاب هل الحزب يعل ما يراه واجبا عليه، أم ما تريده الدولة أو الجهة التي تدير المشهد؟
ما تقييمك لآداء مجلس النواب في انعقاده المنقضي؟
إذا كان هناك ما يمكن أن أقيِّمه كمواطن فلابد أن أشعر به أولا. أنا لم أشعر بوجود مجلس النواب من الأساس. لا في فعل نابع منه، ولا رد فعل على القرارات الحكومية أو السياسية التي آلمت المواطن. فالبلد بها أزمات جبارة تضرب الناس اقتصاديا بالمقام الأول. ثم اجتماعيا وفي الصحة والتعليم وخلافه، وفي كل هذه الأزمات لا وجود للبرلمان، لأنه لم ينجز شيء واضح وذو قيمة للمواطنين، لذلك لا يجب التعليق على وجوده لإنه غير موجود.
ولأول مرة نرى اللجنة البرلمانية تذهب للوزير لمناقشة تحفظاتها على أي شيء، بدلا من استدعائه للمناقشة أو المحاسبة. ولا نعلم أين مناقشة الحكومة للموازنة، وحول القروض التي أفقرت المواطنين عبر فوائدها المضاعفة، وأين الحديث عن ما يخص آلام الناس وأزماتهم.
ما أبرز الموضوعات التي ترغب من البرلمان الاشتباك معها في دور الانعقاد المقبل؟
لدينا مليون كارثة في البلد تخص المواطن، وتحتاج من البرلمان ان يكون موجود بشكل فعلي، وأن نشعر بحرص الأعضاء الذين انتخبهم الشعب على هذا الشعر ومقدراته.
أولا لدينا كارثة على مستوى النظام التعليمي والمدارس والجامعات الخاصة التي لا ينظر لها أحد. وقرارات وزير التعليم التي تثير الاندهاش لا بد لها من وقفة. فالوزير قرر زيادة عدد أيام الدراسة، في حين أن الأسر لا تستطيع تحمل نفقات أبنائها، فكيف يتخذ مثل هذا القرار وعلى أي أساس. ويزيد حمل إضافي على الأسر.
ملف الكهرباء كارثة كبرى، يحتاج وقفة من البرلمان، غير معقول أنه في ظل الظروف الاقتصادية الحالية تتضاعف أسعارا لكهرباء على المواطن أكثر من مرة. والدولة تقول أنا أدعم ب100 مليار وهي بالأساس من ضرائب الناس.
لدينا أيضا ملف الديون وفوائدها، التي تتزايد للأسف بسبب سياسات الدولة التي لا تسير في محلها. ولا يتحملها في النهاية سوى المواطن، لابد للبرلمان أن يعترض، ويضع آليات لتنفيذ اعتراضه الذي يأتي موافقا لرأي المواطنين أصحاب الشأن.
هناك أيضا ملف الصادرات وارتفاع الأسعار. الطبيعي أن تدعم الدولة التصدير لتُدر العملة الصعبة، لكن ليس بالدرجة التي تجعلنا لا نجد احتياجاتنا، ويجف السوق فيرفع التجار الأسعار وفق هواهم، ويدفع المواطن الفاتورة وحده. يتعين على البرلمان هنا أيضا أن يتدخل لحماية ناخبيه.
كل ما يمس حياة المواطن بشكل مباشر لا بد من طرحه للمناقشة في البرلمان. وعلى غرفتي البرلمان أن تضعا الشعب نصب عينيها، لا الحكومة ولا غيرها.
على ضوء حديث الرئيس في افتتاح الأكتاجون:
هل ننتظر تغير في حالة الصحافة والإعلام؟
إذا رغب رئيس الجمهورية في تغيير حالة الصحافة والإعلام، ومنح فرصة للرأي والرأي الآخر، فلا يحتاج لعقد مؤتمرات ولا اجتماعات ولا غير ذلك، فالموضوع لا يزيد عن كونه قرارا سياسيا. قرار بفتح المجال مثلما كان هناك قرار سابق بغلق المجال، دون تحميل الدولة عناء وتكلفة عقد المؤتمرات. فإذا رغبت الدولة ستفتح الباب أمام تأسيس الصحف الجديدة، وستمنح الفرصة للصحفيين والإعلاميين للعمل بحرية. لكن هذا لا يمكن إنجازه إلا إذا فتحت الدولة باب الحريات عموما. لإنه لا يُعقل أن يتغير حال الإعلام في حين أن الدولة تغلق باب التعبير عن الرأي، ولا تسمح للسياسيين المعارضين بالإدلاء بآرائهم. وتحبس من يكتب رأيه على مواقع التواصل، فالأمور مرتبطة ببعضها.
هل تتفاءل بانعقاد مؤتمرات أو حوار وطني جديد؟
كان هناك حوار وطني قبل سنتين والمعاركة شاركت فيه بجدية، وكل ما يمكن قوله قيل في الحوار السابق. وبالتالي، نحن لسنا في حاجة لحوارات جديدة، لكن نحتاج تنفيذ التوصيات العديدة التي خرجت عن الحوار الوطني الذي انعقد قبل سنتين. فالدولة كانت موجودة بأجهزتها، لذلك كل ما نحتاجه الآن هو الإرادة السياسية التي تجعل أجهزة الدولة تنفذ ما وصل إليه الحوار الذي تطرق لكل ما يعم المواطن، وكل ما نحتاج تغييره.
رأيك في الحديث عن تعديلات الدستور؟
لم يصدر من الدولة أي شيء يؤكد أو ينفي النية في التعديلات الدستورية. لكن الكلام يثار بسبب طبيعة اللحظة. فنحن الآن في آخر مدة رئاسية، والسؤال المشروع الآن هل سيرحل الرئيس السيسي بعد انتهاء هذه المدة وفقا للدستور؟ ونبدا في البحث عن بديل؟ أم أن الدستور سيتغير من أجل التمديد للرئيس؟.
وعموما، فالدولة قالت مرارا إن التعديلات الماضية كانت الأخيرة، ولا مساس مجددا بالدستور، ونتتظر أن تلتزم الدولة بحديثها.
ما توقعاتك بالنسبة لملف سجناء الرأي؟
هي ليست توقعات. لأن كل الأمور مرتبطة ببعضها. نعود مجددا للإرادة السياسية، إذا كان هناك إرادة حقيقية للانفتاح وتصحيح الأوضاع فلا بد من تصفية هذا الملف الذي يرتبط بالحالة العامة الموجودة. للأسف الفترة الاخيرة شهدت تراجعا ملحوظا في طرح هذا الملف. والمناقشات اختفت بسبب إغلاق الباب أمام كل من تحدث عنه. الأمر يحتاج قرارا رئاسيا بالانفتاح كي يصبح لدينا توجه لفتح هذا الملف مرة أخرى، ليأتي الدور الأمني، وتحدث الإفراجات أو العفو الرئاسي.
هل تشعر برغبة حقيقية لدى السلطة في الإصلاح السياسي؟
في الحقيقة لا. لا أشعر أبدا بوجود تلك الرغبة. فالاختبار الأساسي في هذا الأمر كان انتخابات البرلمان الماضي. وما حدث فيها يؤكد الارتياح على الوضع الحالي. وإلا كانت الأوضاع تغيرت للأفضل منذ ذلك الوقت. وهناك سؤال هام، الإصلاح السياسي مرتبط بالوضع القائم، وما يحدث يؤكد أن الدولة “مرتاحة” بهذا الوضع، فلماذا ستغيره؟.