لم تعد الساحة السورية مجرد مساحة لصراع داخلي على إعادة بناء الدولة، وتحولت إلى نقطة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية متشابكة، في ظل هشاشة مؤسسات الدولة الجديدة وغياب جيش وطني متكامل قادر على بسط سيطرته على كامل الأراضي.
فمن الجنوب، تواصل إسرائيل وجودها وتحركاتها، بينما تتمركز تركيا في الشمال، وتسيطر القوات الكردية على أجزاء من البلاد، لتجد سوريا نفسها أمام تعدد في مراكز النفوذ، وسط سباق إقليمي لإعادة رسم موازين القوة وملء الفراغ السياسي والأمني.
فراغ يفتح أبواب النفوذ
قال الدكتور أحمد فؤاد أنور، الخبير في الشأن الإسرائيلي، لـ«القصة»، إن المشهد السوري يكشف عن فراغ أمني وسياسي واضح، في ظل وجود إدارة جديدة لا تمتلك جيشًا بالمعنى المتعارف عليه، ولا تملك قوات جوية أو بحرية قادرة على حماية الأراضي السورية.
وأوضح أن القوات الكردية تسيطر على أجزاء من البلاد، بينما تواصل إسرائيل وجودها في جنوب سوريا، إلى جانب الانتشار التركي في الشمال، معتبرًا أن هذه التداخلات تعكس سباقًا إقليميًا على ملء الفراغ داخل سوريا.
وأشار إلى أن غياب قوة مركزية قادرة على فرض سيادتها على كامل الأراضي السورية يجعل البلاد ساحة مفتوحة أمام حسابات القوى الإقليمية المختلفة.
نتنياهو وحسابات التصعيد
ويرى أنور أن التصعيد الإسرائيلي في الساحة السورية قد يرتبط أيضًا بحسابات داخلية لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتراجع موقفه في بعض استطلاعات الرأي.
وأضاف أن نتنياهو قد يرى في رفع مستوى التوتر الأمني وسيلة لتحسين موقعه السياسي، من خلال تقديم نفسه باعتباره قادرًا على التعامل مع التحديات الإقليمية وحماية المصالح والأمن الإسرائيلي.
لكن، بحسب أنور، لا يعني ذلك بالضرورة أن إسرائيل تسعى إلى الدخول في مواجهة شاملة مع القوى الإقليمية.
واشنطن تضبط إيقاع إسرائيل
ولفت أنور إلى وجود ملاحظات مهمة على الموقف الأمريكي تجاه التطورات في سوريا، خاصة تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا بشأن وضع الجولان، والتي يمكن قراءتها باعتبارها تراجعًا نسبيًا عن مواقف أمريكية سابقة بشأن الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.
وأوضح أن إسرائيل تبدو راغبة في تثبيت نفوذها على أراضٍ جديدة، إلى جانب الحفاظ على المناطق التي سبق أن احتلتها، إلا أن الموقف الأمريكي الأخير قد يحمل رسالة ضغط على الحكومة الإسرائيلية لمنعها من توسيع نطاق التصعيد أو خلط الأوراق في المنطقة.
وأكد أن واشنطن قد تكون بصدد إعادة ضبط قواعد التحرك الإسرائيلي، بما يضمن عدم تحول التصعيد في سوريا إلى أزمة إقليمية أوسع، خاصة أن الولايات المتحدة لا ترغب في فتح جبهات جديدة أو السماح بانهيار التوازنات الهشة القائمة.
تركيا وإسرائيل.. حرب كلامية؟
وتابع أنور أن هناك تصعيدًا واضحًا في الإعلام الإسرائيلي تجاه تركيا، مع التركيز بصورة متكررة على قدرات البحرية التركية والغواصات التي تمتلكها أنقرة، وطرح سيناريوهات تعتبر تركيا تهديدًا مباشرًا لإسرائيل خلال السنوات المقبلة.
وأشار إلى أن هذا الخطاب يمثل تصعيدًا كلاميًا متزايدًا، لكنه لا يعني بالضرورة أن الطرفين يتجهان إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وأوضح أن هناك مؤشرات على إمكانية تدخل الإدارة الأمريكية للحد من هذا التصعيد، سواء عبر توجيه رسائل إلى تركيا بعدم التوسع أكثر داخل سوريا، أو عبر الضغط على إسرائيل لمنعها من اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى مواجهة مفتوحة.
واختتم أنور بالتأكيد على أن نتنياهو ليس بالضرورة جادًا في دفع المواجهة مع تركيا إلى مستوى الحرب الشاملة، سواء داخل الأراضي السورية أو في مناطق شرق البحر المتوسط، لأن مثل هذا السيناريو ستكون له تداعيات إقليمية واسعة، وقد يصعب على جميع الأطراف السيطرة على نتائجه.
أبو الظهور يغيّر قواعد الاحتكاك
ومن جانبه، قال الدكتور أبو بكر خلاف، الباحث في العلاقات الدولية والشأن التركي، لـ«القصة»، إن ما جرى في أبو الظهور لا يعني أن اندلاع حرب تركية إسرائيلية أصبح أمرًا حتميًا، لكنه يعكس انتقال العلاقة بين الطرفين إلى مرحلة أكثر حساسية، عنوانها الاحتكاك العسكري غير المباشر داخل سوريا.
وأوضح أن إدانة أنقرة للضربات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور تعكس رفضًا تركيًا لما تعتبره استهدافًا للبنية التحتية السورية وانتهاكًا لوحدة الأراضي السورية، مشيرًا إلى أن تركيا باتت تتعامل مع التحركات الإسرائيلية داخل سوريا باعتبارها مرتبطة بصورة مباشرة بمصالحها وأمنها القومي.
صراع النفوذ على الأرض
وأضاف خلاف أن تركيا وإسرائيل لا تزالان أمام صراع نفوذ حاد، وليس مواجهة عسكرية مباشرة مكتملة الأركان، فإسرائيل تريد منع تشكل واقع أمني جديد تكون فيه أنقرة صاحبة التأثير الأكبر داخل سوريا، بينما ترى تركيا أن استقرار الدولة السورية والحفاظ على مؤسساتها يمثلان جزءًا من أمنها القومي.
وأكد أن انتقال الصراع إلى مواجهة مباشرة يتطلب تجاوز خطوط أكثر حساسية، أبرزها سقوط قتلى أو مصابين أتراك، أو استهداف مواقع عسكرية تركية بصورة واضحة، أو تكرار الضربات الإسرائيلية بالقرب من مناطق الوجود التركي بما يجعل استمرار الصمت التركي مكلفًا سياسيًا وأمنيًا.
لماذا تقلق إسرائيل من تركيا؟
وأشار خلاف إلى أن إسرائيل تنظر إلى الوجود التركي في سوريا باعتباره تحولًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد الانتشار العسكري، خصوصًا أن تركيا تمتلك جيشًا قويًا ونفوذًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا داخل الأراضي السورية، فضلًا عن كونها عضوًا في حلف شمال الأطلسي.
وأوضح أن تحول النفوذ التركي إلى قواعد عسكرية أو ترتيبات دفاعية طويلة الأمد مع دمشق قد يفرض قيودًا جديدة على حرية الحركة الإسرائيلية داخل سوريا، ويجعل أي عملية عسكرية إسرائيلية خاضعة لحسابات تتعلق باحتمالات الاحتكاك مع القوات التركية.
ولفت إلى أن استهداف أبو الظهور يمكن قراءته باعتباره رسالة إسرائيلية استباقية لرفض تحويل سوريا إلى عمق دفاعي تركي، في حين تؤكد أنقرة أن الحل لا يكون بالضربات العسكرية، وإنما باحترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
أنقرة تملك أوراقًا.. والحرب ليست الخيار الأول
وأكد خلاف أن تركيا تمتلك مجموعة من الخيارات التي تمكنها من الرد على التحركات الإسرائيلية دون الانجرار بالضرورة إلى حرب مفتوحة، من بينها تعزيز التعاون الدفاعي مع دمشق، وتوسيع التنسيق الاستخباراتي، وزيادة الحضور العسكري في مناطق نفوذها، إلى جانب استخدام الأدوات الدبلوماسية والقانونية.
وأضاف أن أنقرة ستتعامل بحسابات دقيقة مع خيار الرد العسكري المباشر، لأنها تدرك أن مواجهة واسعة مع إسرائيل قد تتجاوز حدود سوريا وتتحول إلى أزمة إقليمية شاملة، كما أن الدخول في حرب مفتوحة قد يخدم الحسابات السياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وأشار إلى أن سقوط قتلى أتراك، أو استهداف مواقع ترتبط مباشرة بالوجود التركي، أو تكرار الضربات بصورة تهدد المشروع التركي في سوريا، يمكن أن يدفع أنقرة إلى إعادة النظر في قواعد الاشتباك والانتقال من الضغط السياسي إلى خطوات عسكرية محدودة.
واشنطن أمام اختبار صعب
واختتم خلاف بالتأكيد على أن الولايات المتحدة ستكون أحد أهم الأطراف القادرة على منع تحول التوتر التركي الإسرائيلي إلى مواجهة مباشرة، خاصة مع طرح آليات لمنع التصادم بين تركيا وإسرائيل وسوريا.
وأوضح أن أنقرة تملك أوراقًا مهمة، بينها موقعها الجغرافي ونفوذها داخل سوريا وعلاقاتها مع الإدارة السورية الجديدة وقدراتها العسكرية، لكنها في الوقت نفسه تدرك أهمية العامل الأمريكي في ضبط التوازنات الإقليمية.
ورجح أن تفضل تركيا في المرحلة الحالية استراتيجية الرد المركب، التي تجمع بين الضغط الدبلوماسي، وتعزيز التعاون الدفاعي مع دمشق، وتدويل ما تعتبره انتهاكات إسرائيلية، والعمل على وضع قواعد واضحة لمنع التصادم.
لكن استمرار استهداف المصالح أو القوات التركية داخل سوريا، خصوصًا إذا أسفر عن خسائر بشرية، قد يجعل المواجهة المباشرة احتمالًا قائمًا، بعدما كان مجرد سيناريو بعيدًا.