حين رأيت صورة الشهيد الطفل محمد الدرة، إلى جانب الصورة الشهيرة لطفل فلسطيني يواجه دبابة إسرائيلية بحجر، في كتاب التاريخ المقرر للصف الثاني الثانوي بنظام البكالوريا في المدارس المصرية، شعرت أنني أمام أكثر من مجرد صورتين في كتاب مدرسي. شعرت أن حكاية غزة دخلت إلى كتاب مصر، وأن طفلًا من غزة عاد بعد نحو ربع قرن ليجلس في فصل دراسي مصري أمام جيل لم يكن قد وُلد يوم استشهاده.
في تلك اللحظة، لم أتوقف أمام الصورتين وحدهما. أخذتني إلى سنوات بعيدة، إلى غزة، وإلى كتبنا المدرسية، وإلى مصر التي عرفناها نحن أهل غزة بطريقة مختلفة عن كثيرين.
طلاب جميع المراحل في غزة درسوا المنهج المصري حتى إصدار أول منهج فلسطيني مع مجيء السلطة الفلسطينية، ويعرفون مصر جيدًا، وأنا منهم. كنا نعرفها من الكتب التي كنا نحملها معنا إلى المدارس كل صباح.
وقبل تغيير المناهج لتصبح فلسطينية، كنا نحن الغزيين ندرس تاريخ مصر، ونحفظ أسماء فراعنتها وشعرائها، ونتعرف إلى حضارتها القديمة، ومدنها ومحافظاتها، وكأننا نعيش في محافظة من محافظات مصر. عرفنا النيل والأهرامات والمعابد والملوك والحضارات وصحراء سيناء، وتفاصيل كثيرة عن بلد لم يكن جميعنا قادرين على زيارته أو حتى العيش فيه.
لذلك لم تكن مصر بالنسبة إلى الفلسطينيين في غزة دولة بعيدة، بل كانت جزءًا من طفولتنا ووجداننا؛ عرفناها من مدارسنا وكتبنا، ومن تاريخها الذي درسناه. وفي غزة الجندي المجهول المصري، وتحمل شوارعها أسماءً كبيرة ارتبطت بمصر، وفي مقدمتها الزعيم جمال عبد الناصر. كبرت صورة مصر معنا قبل أن نكبر نحن.
واليوم، في مصر، يحدث شيء آخر.
مصر تفتح صفحات كتبها لقصص أطفال فلسطين من غزة. فبعد نحو ربع قرن على استشهاده، يدخل الطفل محمد الدرة إلى كتاب التاريخ المصري من خلال صورة تلك اللحظة التي بقيت حاضرة في وجدان العالم، صورة الإجرام والإرهاب الإسرائيلي: طفل يحتمي بوالده خلف حاجز إسمنتي، في واحدة من أكثر صور الانتفاضة الفلسطينية الثانية حضورًا وتأثيرًا ووجعًا.
في منهج التاريخ للصف الثاني الثانوي بنظام البكالوريا المصرية، تظهر صورة الدرة ضمن درس يتناول الانتفاضة الفلسطينية الثانية، تحت تعريف مباشر: «لحظة إطلاق النار على الطفل محمد الدرة»، إلى جانب صورة الطفل الذي اشتهر بمواجهة دبابة إسرائيلية بحجر في غزة عام 2000.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة الخطوة المصرية.
الصورة التي عرفها جيل انتفاضة الأقصى على شاشات التلفزيون، يراها اليوم طلاب لم يكونوا قد وُلدوا عندما استشهد محمد الدرة. وبذلك انتقل المشهد من جيل عاش اللحظة إلى جيل جديد سيتعرف إليها داخل درس من دروس التاريخ.
محمد الدرة لم يكن يعرف أنه سيصبح يومًا جزءًا من كتب التاريخ. كان طفلًا احتمى بوالده، في لحظة خوف لا يفكر فيها الطفل إلا بمن يقف إلى جواره. لكن تلك اللحظة بقيت، وبقيت معها صورة أب يحاول أن يحمي ابنه بجسده.
ولهذا فإن محمد الدرة ليس مجرد صورة أو حدث عابر، بل قصة شعب عاش عقودًا من الاحتلال والحروب والتهجير، وآخرها الإبادة الجماعية، وما زال يتمسك بحقه في أرضه وكرامته وحريته.
وهذا ما يجعل إدراج صورة محمد الدرة أكثر من مجرد توثيق لمشهد تاريخي؛ إنه إبقاء للإنسان الفلسطيني حاضرًا في رواية التاريخ. فهناك أطفال عاشوا الخوف، وآباء حاولوا حمايتهم، وأمهات انتظرن أبناءهن، وعائلات دفعت ثمن الأحداث التي يجب أن يقرأ عنها الطلاب اليوم في كتب التاريخ.
فالتاريخ ليس تواريخ وأرقامًا فقط، وإنما قصص وحقوق وتجارب يجب أن تحفظها الأجيال.
ومن يعرف فلسطين، ويعرف علاقتها بمصر، يعرف أن الأمر ليس جديدًا، وأن مثل هذه الخطوة إنما تمثل إحياءً للحكاية وتمسكًا بالقضية. هكذا هو الشعب المصري.
لم تكن القضية الفلسطينية بالنسبة إلى مصر ملفًا سياسيًا يوضع على طاولة المفاوضات ثم يُغلق بانتهاء الاجتماع. فلسطين كانت وما زالت حاضرة في تاريخ مصر، وفي حروبها ومواقفها، وفي وجدان المصريين، وفي تفاصيل كثيرة لا تحتاج إلى شرح طويل.
لذلك فإن وجود محمد الدرة في كتاب التاريخ المصري لا يبدو غريبًا.
الغريب سيكون حين تُمحى هذه الصورة من الذاكرة العربية والمصرية بالتحديد، أو أن يكبر جيل جديد ولا يعرف من هو الطفل الذي رأى العالم صورته وهو يحتمي بوالده.
لكن مصر الكبيرة، كما عرفناها، لم تُبقِ قصته حبيسة أرشيف الأخبار. وقفت لتقول: نحن هنا. وأبقت الصورة، وأبقت معها الحكاية.
وهذا ليس تفصيلًا صغيرًا.
محمد واحد من الأطفال الذين أصبحت صورهم جزءًا من وجدان شعب كامل. ولذلك فإن بقاء صورته في كتاب مدرسي مصري يعني أن الحكاية لم تُترك للماضي، بل تُسلَّم إلى جيل جديد.
علينا أن نكون مطمئنين إلى أن فلسطين ما زالت تجد لها مكانًا عظيمًا في كتاب التاريخ المصري، وأن ذاكرة فلسطين لا تُمحى بتقادم السنوات.
ستبقى مصر هي مصر التي نعرفها.