أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

في مصر.. المجاني بالمجّان إلا “التعليم”

التعليم

في قلب محافظة سوهاج، يخوض عمار، صاحب سوبر ماركت وأب لثلاثة أبناء، معركة مالية لا تهدأ، إذ لا تتوقف التزاماته عند حدود المحل أو تدبير قوت اليوم، بل تمتد لتغطية “ميزانية ثانية” منفصلة تماماً، مخصصة فقط لتغطية تكاليف ما يُفترض أنه تعليم مجاني لولده في الصف الخامس الابتدائي، وابنتيه التوأم في الصف الثاني الثانوي.

مع بداية كل عام دراسي، يجد عمار نفسه مطالباً بتوفير مبلغ لا يقل عن 21 ألف جنيه بواقع 7 آلاف جنيه لكل ابنلتغطية الحد الأدنى من الجاهزية المدرسية، ويشرح عمار تفاصيل هذه الفاتورة المبدئية في حديثه لـ “القصة” قائلاً: “الـ 7 آلاف جنيه لكل طالب مع بداية الترم تروح فوراً للكتب الخارجية والزي المدرسي، والشنط، والأدوات من كشاكيل وأقلام ولانش بوكسات.. كل هذه مستلزمات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها حتى يبدأ الطفل عامه الدراسي”.

 

أخبار ذات صلة

أسعار الخضروات
تعرف على أسعار الخضروات والفاكهة اليوم الخميس
حالة الطقس
استمرار ارتفاع درجات الحرارة.. والعظمى بالقاهرة 37
أحمد منتصر
الرياض واليمن.. عندما تتحكم الجغرافيا

لكن هذه الجولة المدرسية الأولى ليست سوى الشريحة الظاهرة من الالتزامات،إذ يبدأ بعدها الاستنزاف المالي اليومي الذي يلتهم ما تبقى من الدخل، فيضيف عمار: “الإنفاق لا يتوقف عند بداية الترم، فهناك مصاريف يومية مستمرة للدروس الخصوصية في كل المواد بلا استثناء، بجانب المصروف الشخصي للأولاد، والساندوتشات، ومواصفات الحركة والمواصلات، كل هذه مصاريف يومية لا حيلة لنا فيها”.

 

تزداد المعادلة صعوبة أمام طبيعة عمل عمار، فدخله الشهري غير ثابت ويتذبذب بحسب حركة البيع والشراء في السوبر ماركت، مما يجعل التخطيط لهذه الالتزامات أمراً خانقًا طوال العام.

 

وعن الكتب المدرسية المجانية التي يحصل عليها الطلاب وأسباب عدم اعتماد أبناؤه عليها يقول عمار: “الكتب المدرسية التي نستلمها بالمجان بتتركن، أوراق مالهاش لازمة وماحدش بيفتحها لأنها مش بتساعد الولاد في الامتحانات، وفي الآخر، المدرسين في الدروس بيجبرونا نشتري كتب خارجية لكل مادة.. يعني الدولة بتقولنا التعليم مجاني وبيدونا كتب، بس الواقع إننا بندفع دم قلبنا برة عشان الولاد يعرفوا ينجحوا.

 

وبينما تنص المادة 19 من الدستور المصري على أن التعليم حق لكل مواطن، وأن التعليم إلزامي حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، وأن الدولة تكفل مجانيته بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية، وفقًا للقانون كما تلزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4% من الناتج القومي الإجمالي، ولكن يبرز سؤال ما الذي تعنيه “مجانية التعليم” اقتصاديًا؟ وهل تقاس المجانية بما تدفعه الأسرة للمدرسة فقط، أم بما تنفقه الأسرة فعليًا حتى يحصل الطفل على التعليم ويستفيد منه؟

 

تكشف أحدث نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك 2019/2020 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، حجم التكلفة التي تتحملها الأسر المصرية لتعليم أبنائها، رغم مجانية التعليم المعلنة، ووفقًا لنتائج البحث، بلغ إجمالي إنفاق الأسر المصرية التي لديها أفراد في مراحل التعليم على قطاع التعليم وملحقاته نحو 482 مليارًا و247 مليون جنيه سنويًا، فيما بلغ متوسط إنفاق الأسرة الواحدة على التعليم نحو 18 ألفًا و549 جنيهًا سنويًا.

 

وتستحوذ الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية على جانب مهم من هذه الفاتورة، إذ بلغ إجمالي ما تنفقه الأسر المصرية عليها نحو 136.474 مليار جنيه سنويًا، بمتوسط إنفاق يبلغ 5,249 جنيهًا للأسرة الواحدة سنويًا، وفق نتائج بحث الدخل والإنفاق ءوالاستهلاك 2019/2020.

 

ويختلف حجم الإنفاق على التعليم باختلاف محل إقامة الأسرة، إذ بلغ متوسط الإنفاق السنوي للأسرة في الحضر نحو 12 ألفًا و829 جنيهًا على التعليم وملحقاته، بما يعادل نحو 12.5% من إجمالي دخلها السنوي، بينما بلغ متوسط الإنفاق السنوي للأسرة في الريف نحو 5,720 جنيهًا، بما يمثل نحو 9.2% من إجمالي دخل الأسرة الريفية.

 

أما المصروفات والرسوم الدراسية، فقد بلغ إجمالي ما أنفقته الأسر المصرية عليها نحو 185 مليارًا و925 مليونًا و220 ألف جنيه سنويًا، بمتوسط إنفاق بلغ نحو 7,150 جنيهًا و97 قرشًا للأسرة الواحدة سنويًا، وهو ما يمثل نحو 38.6% من إجمالي إنفاق الأسرة على التعليم، وفق نتائج البحث.

 

من الناحية القانونية، ترى المحامية نهى الجندي في حديثها لـ “القصة” أن مفهوم مجانية التعليم لا ينبغي اختزاله في عدم تحصيل المدرسة رسومًا دراسية من الطالب، وإنما يرتبط بالأساس بضمان ألا يشكل العامل المادي عائقًا أمام حصوله على التعليم.

 

وتستند الجندي إلى المادة 19 من الدستور المصري، التي تنص على أن التعليم حق لكل مواطن، وتلزم الدولة بكفالة مجانيته بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية، إلى جانب إلزامية التعليم حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها.

 

وتلفت إلى أن قانون التعليم رقم 139 لسنة 1981 أكد بدوره مجانية التعليم قبل الجامعي في مدارس الدولة، إذ يحظر مطالبة التلاميذ برسوم مقابل الخدمات التعليمية أو التربوية التي تقدم لهم، مع السماح بتحصيل مقابل لبعض الخدمات الإضافية وفقًا للقواعد والقرارات المنظمة لها.

 

وبحسب الجندي، فإن الإشكالية تبدأ عند الفصل بين التعليم الذي توفره الدولة مجانًا من الناحية الرسمية، والتكلفة التي يتحملها الطالب وأسرته فعليًا حتى يتمكن من الاستفادة من هذا التعليم.

 

مفارقة الموازنة وأرض الواقع

 

في إحدى الشركات الخاصة، يقضي “علي” يومه حارساً للأمن براتب ثابت لا يتجاوز 7 آلاف جنيه شهرياً؛ وهو المبلغ الذي يُفترض أن يعبر به وبأسرته المكونة من زوجة و4 أبناء بر الأمان كل شهر.

 

لكن مع كل سبتمبر يطل برأسه معلناً بداية عام دراسي جديد، يبتعد بر الأمان خطوات عن علي، ليجد نفسه يخوض معركة مالية مستحيلة تتجاوز حدود عقله وقدرته المادية، فيقول في حديثه لـ “القصة”: “”عندي 4 أولاد، بصرف عليهم في حدود 30 ألف جنيه كل شهر بين دروس خصوصية ومصاريف شخصية وتنقلات.. ومفيش فايدة! فوق كل ده، المدرسة نفسها طلباتها ما بتنتهيش؛ عاوزين فلوس للسبورة، وفلوس للوح والأدوات.. وغيره وغيره”.

 

ويروي علي بسخرية تفاصيل المفارقة التي يواجهها داخل أبواب المدرسة، فيقول: “ووصلت المرحلة إن فيه مدرسين بيدخلوا الفصل من غير حتى قلم يكتبوا بيه على السبورة، وبيطلبوا من الطلاب يشتروه على حسابهم، كل التفاصيل الصغيرة دي بتتجمع فوق أكتافنا بتكلفة فوق طاقتنا”.

 

وتكتمل المفارقة حين تُقابل فاتورة من أولياء الأمور بالأرقام الرسمية الصادرة عن الدولة؛ فبينما يشتري الطلاب “أقلام السبورة” على حسابهم الخاص، تخصص الدولة بدورها مئات المليارات من الجنيهات لقطاع التعليم، فوفقًا للتصنيف الوظيفي للمصروفات في مشروع موازنة العام المالي 2026/2027، بلغت الاعتمادات المقررة لقطاع التعليم نحو 367.3 مليار جنيه، مقابل 315.9 مليار جنيه في موازنة العام السابق، بزيادة سنوية بلغت 51.4 مليار جنيه.

 

وترى الدكتورة بينة عبد الرؤوف الخبيرة التربوية في حديثها لـ “القصة” أن الموازنة العامة للتعليم تنفق على إنشاء المدارس، وأجور العاملين، وطباعة الكتب المدرسية، وهي بنود تستهلك موارد مالية كبيرة.

 

يرى الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن ما شهده التعليم الحكومي لم يعد مجرد ارتفاع في التكاليف، بل هو تحول بنيوي ونهاية فعلية لعصر التعليم المجاني لصالح تسليع الخدمة التعليمية.

 

ويضيف الميرغني في حديثه لـ “القصة” أن المصروفات الرسمية للتعليم المجاني أصبحت نفسها تشكل عبئاً أولياً، إذ تتجاوز رسوم المرحلة الابتدائية 300 جنيه، وتتعدى 500 جنيه في المرحلة الثانوية، وهي مبالغ تُطالب بها الأسر قبل أن تبدأ في مواجهة الغول الحقيقي المتمثل في الكتب الخارجية، الدروس الخصوصية، والمواصلات، فضلاً عن فرض تبرعات إضافية على أولياء الأمور تفوق قدراتهم المادية.

 

“إن تسليع التعليم وجعله مشروطاً بالقدرة المالية يعيد إنتاج الفقر بصورة أشد قسوة؛ حيث يصبح الاستمرار في التعليم حصرياً لمن يملك المال، بينما يُحرم أبناء الفقراء من حقهم في الترقي الاجتماعي، ليتحول التعليم من أداة لكسر دائرة الفقر إلى آلية لترسيخ التفاوت الطبقي”، هكذا يختتم الميرغني حديثه مع “القصة”.

 

التعليم بالمدارس لا يكفي 

 

فاطمة أرملة وتعيل اثنين من الأبناء، أحدهما في الصف الثاني الثانوي، تعتمد في دخلها إلى جانب معاش زوجها الذي لا يتعدى الـ 3 آلاف جنيه على إعداد الوجبات المنزلية في المنزل وبيعها، بدخل متذبذب لا يتجاوز في أفضل الأحوال 6 آلاف جنيه شهرياً، تقول في حديثها لـ “القصة”: “ابني أحمد في ثانوية عامة، والمدرسة مبقاش فيها شرح أساساً، والكل بيهرب للسناتر والمدرسين الخصوصيين”

 

وتضيف: “المشكلة مش بس في سعر الحصة في السنتر.. المدرسين بقوا يعملوا (اشتراك منصات إلكترونية)، و(كروت متابعة)، وملازم مطبوعة بمبالغ كبيرة، ووصلت الدرجة إن المدرس بيطلب كتب خارجية محددة وبيدعمها في الشرح، في حين كتب الوزارة المطبوعة بملايين الجنيهات مركونة في الشنطة بلاستيك تحت السرير مش بتتفتح طول السنة وبستنى السنة تخلص علشان أبيعها ومبتجبش أقل من ربع اللي بدفعه طول السنة كله”.

 

وتشير تقديرات شركة منصة فاست كومباني ميدل إيست المتخصصة في قطاع الأعمال إلى أن حجم إنفاق الأسر المصرية على الدروس الخصوصية في 2024 بلغ نحو780 مليون دولار بينما من المتوقع أن يصل إلى 931 مليون دولار في 2026.

 

وهذا النزيف المالي لم يبقَ داخل حدود البيوت، بل وصل صداه إلى تحت قبة البرلمان؛ ففي 13 من يوليو الماضي، تقدم النائب أشرف أمين، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس النواب لتوجيهه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزير التربية والتعليم والتعليم الفني، بشأن الارتفاع غير المسبوق في أسعار الدروس الخصوصية والسناتر التعليمية، وما تمثله من أعباء اقتصادية طاحنة على ملايين الأسر المصرية، في ظل تزايد الاعتماد عليها وتراجع دور المدرسة في كثير من الأحيان مؤكداً أن الدروس الخصوصية والسناتر التعليمية بدأت فى فتح أبوابها من الان فى الإجازة وقبل بدء العام الدراسى الجديد.

 

تاريخ مجانية التعليم في مصر

 

“هذا الشد والجذب حول واقع مجانية التعليم، لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج تحول تدريجي شهدته فلسفة إدارة التعليم في مصر عبر عقود، ويكشف تتبع مسار الدساتير والمواثيق والقوانين المصرية وفقًا لدراسة بعنوان ” مجانية التعليم في الدساتير والمواثيق والقوانين المصرية بين الإقدام والإحجام” أن مجانية التعليم لم تكن قاعدة مستقرة منذ البداية، وإنما مرت بتحولات تدريجية، بدأت بإحجام الدولة عن إقرارها، قبل أن تتبلور ملامحها مع دستور 1923، الذي فتح الباب أمام طرح فكرة مجانية التعليم وتوسيع نطاقها.

 

وبدأت مجانية التعليم في مصر بالمرحلة الابتدائية عام 1944، ثم امتدت إلى المرحلة الثانوية عام 1950، في عهد الدكتور طه حسين، بينما ظل التعليم الجامعي آنذاك بمصروفات، ومع صدور دستور الجمهورية المصرية عام 1956، تعزز الاتجاه نحو مجانية التعليم، ثم جاء الميثاق الوطني عام 1962 ليعلن مجانية التعليم في جميع مراحله، بالمدارس والمعاهد والجامعات، اعتبارًا من العام الدراسي 1962/1963.

 

وفي عام 1964، جاء الدستور المؤقت ليؤكد هذا التوجه بصورة أوسع، فنص على مجانية التعليم في جميع مراحله، الجامعية وما قبل الجامعية، واستمر هذا النهج كذلك في دستور عام 1971، لتصبح مجانية التعليم مبدأً دستوريًا حاضرًا في التشريع المصري، وإن اختلف نطاق تطبيقه وصياغاته من مرحلة دستورية إلى أخرى.

 

وفي هذا السياق، توضح الدكتورة بثينة عبد الرؤوف، الخبيرة التربوية، أن مفهوم مجانية التعليم في مصر مرّ بتحولات كبيرة، موضحة أن المجانية في بداياتها كانت أوسع من مجرد إعفاء الطالب من المصروفات الدراسية.

وتقول إن مجانية التعليم في صورتها القديمة كانت تشمل إلى جانب عدم دفع المصروفات، توفير الكتب والكراسات والأدوات المدرسية، بل وتقديم وجبة غذائية ودعم إضافي للطلاب غير القادرين، باعتبار أن الدولة كانت تتحمل جزءًا أكبر من التكلفة الفعلية التي تحتاجها الأسرة حتى يتمكن أبناؤها من التعليم.

وترى عبد الرؤوف أن هذا المفهوم تغير تدريجيًا مع التحول إلى سياسات اقتصادية أكثر ارتباطًا باقتصاد السوق، فأصبح المقصود بالمجانية، بصورة أضيق، توفير المدرسة والمدرسين والكتب والخدمة التعليمية الأساسية، مع تحميل الأسرة تكاليف أخرى مرتبطة باحتياجات الطالب.

بين حسابات “عمار” المجهدة وشكوى “علي” من ثمن قلم السبورة ، والتنازلات القاسية التي تقدمها “فاطمة” لتدبير دروس الثانوية العامة، يبقى السؤال إذا كانت الدولة تقول إن التعليم مجاني، والأسرة تنفق آلاف الجنيهات سنويًا حتى يستطيع الطفل الاستمرار في هذا التعليم، فأين مجانية التعليم؟

 

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

Oplus_131072
لدينا 200 مصنع للدواء.. فلماذا يتكرر النقص؟.. محمود فؤاد يجيب
التعليم
في مصر.. المجاني بالمجّان إلا "التعليم"
file_0000000022b881f79e19fe7797f051bb
«اجتزنا كل الاختبارات».. سنة ونصف من التعب تنتهي خارج التعيين
مجلس النواب
الانعقاد الجديد يقترب.. هل تتغير قواعد لعبة المعارضة تحت القبة؟

أقرأ أيضًا

الاقتراض بـ الدولار
ماذا يحدث للدولار؟
أسعار الخضروات والفاكهة
استقرار أسعار الخضروات والفاكهة قرب نهاية الأسبوع.. تعرف عليها
من ذاكرة التاريخ
من ذاكرة التاريخ
الذهب - أرشيفية
الذهب يواصل كسر حاجز الارتفاع