“فاضل 11 يوم على تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، ومحدش مستعد ولا ناوي يفهم الناس حاجة”. هكذا عبرت سلوى راشد، زوجة شادي محمد، عن حالة القلق التي تعيشها أسر المحبوسين احتياطيا، مع اقتراب بدء تطبيق القانون الجديد أول أكتوبر المقبل.
يستمر حبس شادي محمد، احتياطيا على ذمة القضية المعروفة إعلاميا بقضية “بانر فلسطين” منذ عام 2024، لأكثر من 24 شهرا، دون إحالته إلى المحاكمة. لا يقتصر الأمر على شادي، إذ لا يزال عدد من زملائه في القضية محبوسين دون إحالتهم للمحاكمة. بينما تترقب أسرهم ما إذا كان بدء تطبيق القانون الجديد سيعني الإفراج عن ذويهم الذين تجاوزوا مدد الحبس الاحتياطي المقررة.
ومع اقتراب موعد تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، يطرح وضع شادي وغيره من المحبوسين الذين أمضوا مددا طويلة خلف القضبان سؤالا قانونيا: هل تحتسب مدد الحبس الاحتياطي التي قضاها المتهمون قبل بدء العمل بالقانون الجديد ضمن الحدود القصوى للحبس، أم يبدأ احتساب المدة من جديد مع سريان القانون في أكتوبر؟
يخفض قانون الإجراءات الجنائية الجديد الحدود القصوى للحبس الاحتياطي، إذ تنخفض المدة في الجنح من 6 أشهر إلى 4 أشهر، وفي الجنايات من 18 شهرا إلى 12 شهرا، بينما تنخفض في الجرائم المعاقب عليها بالسجن المؤبد أو الإعدام من 24 شهرا إلى 18 شهرا.
يأتي تقليص هذه المدد ضمن التعديلات التي استهدفت وضع حدود قصوى للحبس الاحتياطي، في ضوء توصيات الحوار الوطني المتعلقة بتخفيض مدد الحبس الاحتياطي ووضع سقف زمني له. ومع ذلك، يظل السؤال الأهم بالنسبة للمحبوسين بالفعل: ماذا يحدث للمدة التي قضوها قبل 1 أكتوبر؟ وهو ما تباينت بشأنه التفسيرات القانونية.
يقول المحامي مختار منير إن هناك قاعدة قانونية تقضي بتطبيق القانون الأصلح للمتهم، موضحا أن ذلك ينطبق على النص المتعلق بالحد الأقصى للحبس الاحتياطي، والذي يبلغ 18 شهرا في الجنايات المعاقب عليها بالسجن المؤبد أو الإعدام. ويضيف، في تصريحات خاصة، أن كل من بلغ مدة حبسه الاحتياطي 18 شهرا أو تجاوزها، ينطبق عليه النص الجديد، ويكون من حقه الاستفادة منه.
ويوضح منير أنه مع بدء العمل بالقانون الجديد، سيقدم المحامون طلبات لتفعيل النص وإصدار قرارات بإخلاء سبيل من تجاوزوا الحد الأقصى للحبس الاحتياطي. مشيرا إلى أن ذلك يمكن أن يتم من خلال طلبات تقدم من الدفاع أو خلال جلسات نظر أوامر الحبس، للمطالبة بالإفراج الوجوبي بسبب تجاوز المدة القصوى.
كما يشير إلى أن العبرة في حساب مدة الحبس الاحتياطي هي تاريخ بدء الحبس، وليس تاريخ القبض على المتهم. موضحا أن هناك حالات يتم فيها تحرير محضر الضبط بعد التاريخ الفعلي له. لذلك يكون الأساس في حساب المدة هو تاريخ صدور قرار الحبس على ذمة القضية.
ويلفت منير النظر إلى أن الأزمة الأساسية، من وجهة نظره، لا تكمن في النص القانوني ذاته. مشيرا إلى أن القانون الحالي ينص على أن الحد الأقصى للحبس الاحتياطي عامان، وأنه كان هناك تطبيق فعلي لهذا النص في سنوات سابقة، حتى عام 2020. وكانت تصدر قرارات بإخلاء سبيل المحبوسين احتياطيا بعد بلوغهم الحد الأقصى. “لكن تطبيق النص، توقف بعد عام 2020، وأصبح بعض الأشخاص يستمرون في الحبس الاحتياطي لفترات متفاوتة أو طويلة”، بحسب قوله.
ويؤكد منير أن تفعيل النصوص المتعلقة بالحد الأقصى للحبس الاحتياطي يحتاج إلى إرادة فعلية من جهات إنفاذ القانون. موضحا أن دور المحامي يقتصر على التقدم بالطلب والتمسك بتفعيل النص وتطبيقه على موكله. بينما تقع مسئولية تنفيذ النص على الجهات المختصة، ومنها النيابة العامة أو المحكمة التي تنظر أمر تجديد الحبس، والتي يفترض أن تتفاعل مع الطلب وتصدر قرار إخلاء السبيل عند انقضاء الحد الأقصى للحبس الاحتياطي.
لا توجد بيانات رسمية معلنة تحدد عدد المحبوسين احتياطيًا على ذمة قضايا سياسية في مصر. وتشير تقارير حقوقية دولية ومحلية إلى وجود عشرات الآلاف من المحتجزين على خلفية سياسية بمختلف الأوضاع القانونية، بينما توثق منظمات حقوقية مئات وآلاف الحالات بصورة منفصلة، ما يجعل تحديد رقم إجمالي دقيق للمحبوسين احتياطيًا وحدهم أمرًا غير متاح من المصادر العلنية.
بينما توضح المحامية هبة عادل لـ “القصة” أن مدة الحبس الاحتياطي تحتسب من تاريخ بدء الحبس، حتى إذا كان هذا التاريخ سابقا على بدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، مشيرة إلى أن العبرة بالقانون الأصلح للمتهم وقت طلب الإجراء.
وتضيف أن مدد الحبس الاحتياطي السابقة على بدء تطبيق القانون الجديد تدخل ضمن الحد الأقصى للمدة. وتوضح أن المدد لا يبدأ احتسابها من جديد مع سريان القانون في 1 أكتوبر.
وتشير عادل إلى أنه في حال تجاوز المتهم الحد الأقصى المقرر قانونا، يجب الإفراج عنه، إلا أن الإفراج لا يتم تلقائيا. “يتعين على محاميه التقدم بطلب لإعمال أحكام القانون الجديد، باعتبار أن سريانه بدأ في 1 أكتوبر”، حسب قولها.
وتلفت إلى أن القانون الجديد لم يتحدث بشكل صريح عن المدد السابقة على بدء سريانه، وإنما حدد تاريخ نفاذه في 1 أكتوبر. وبالتالي تقيم الوقائع بحسب تاريخ بدء الحبس الاحتياطي لكل واقعة على حدة.
في سبتمبر الجاري، قالت المفوضية المصرية للحقوق والحريات ومنظمات أخرى إنها قدمت إلى لجنة العفو الرئاسي 536 حالة لمحبوسين احتياطيا، بعد قائمة سابقة تضمنت 2,418 حالة. وبحسب المنظمة، بلغ إجمالي الحالات التي أُرسلت في القائمتين 2,954 حالة، منها 2,583 في قضايا سياسية، إضافة إلى 241 قضية جنائية و130 حالة اختفاء قسري. لكن هذه ليست إحصائية لكل المحبوسين في مصر، بل الحالات التي أدرجتها المنظمات في قوائمها.
من جانبه يرى المحامي ياسر سعد أن الحديث عن كيفية تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد على الحالات السابقة على بدء سريانه لا يزال في إطار التفسيرات والاجتهادات، لعدم وجود نص انتقالي يحسم بشكل واضح كيفية التعامل مع هذه الحالات.
ويوضح سعد في حديثه لموقع “القصة” أن القانون سيبدأ تطبيقه في 1 أكتوبر، وبالتالي فإن الأشخاص الذين سيتم القبض عليهم اعتبارا من هذا التاريخ هم، في رأيه، من سيخضعون لأحكام القانون الجديد، بينما يخضع من تم القبض عليهم قبل ذلك لأحكام القانون القديم.
ويشير سعد إلى أن القانون لم يحسم بشكل واضح كيفية التعامل مع الحالات السابقة على بدء تطبيقه. وأن ما يطرح حاليًا بشأنها لا يتجاوز كونه تفسيرات واجتهادات وتقديرات قانونية.
ويضيف أن حسم هذه المسائل يتوقف على القرارات التي ستصدر عن النائب العام لتنظيم كيفية تطبيق القانون الجديد. ويؤكد أن الصورة النهائية ستتضح مع صدور تلك القرارات وبدء التطبيق الفعلي للقانون.