هل يحتاج رئيس الجمهورية إلى سنوات طويلة من العمل السياسي حتى يصبح مؤهلًا للحكم؟ سؤال يتجدد مع اقتراب نهاية الولاية الرئاسية الحالية في 2030، خاصة بعد تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن عدم تعديل الدستور أو الترشح لفترة رئاسية جديدة، وما تفتح الباب أمامه من نقاش حول مواصفات الرئيس القادم وفرص ظهور قيادات سياسية جديدة.
وعاد الجدل إلى الواجهة مع المحامي والحقوقي خالد علي، الذي طرح، ردًا على سؤال بشأن خمسة أسماء قادرة على منافسة السيسي والفوز عليه، أسماء عبد المنعم أبو الفتوح، وحمدين صباحي، ومحمود محيي الدين، وعمرو موسى، وخالد البلشي،ما زاد من حدة الحديث حول معايير اختيار الرئيس، ومدى ارتباط الجاهزية للحكم بالعمر وتراكم الخبرات، أم بامتلاك رؤية سياسية وقدرة على إدارة الدولة.
وبين الخبرة التي تكتسبها القيادات عبر سنوات العمل العام، والحاجة إلى تجديد النخبة السياسية وإتاحة الفرصة لأجيال جديدة، يطرح السؤال نفسه: هل توجد معايير يمكن من خلالها تحديد مدى جاهزية شخص لتولي رئاسة الجمهورية؟
في 17 أكتوبر الجاري، أعلن السيسي أن ولايته ستنتهي في 2030، وطرح برنامجًا لإعداد قيادات يستهدف حاملي الدكتوراه من الفئة العمرية بين 40 و50 عامًا، بمدة تأهيل تبلغ 30 شهرًا.
وتنص المادة 141 من الدستور المصري على أنه يشترط فيمن يترشح رئيسًا للجمهورية أن يكون مصريًا من أبوين مصريين، وألا يكون قد حمل، أو أىُ من والديه أو زوجه جنسية دولة أخرى، وأن يكون متمتعًا بحقوقه المدنية والسياسية، وأن يكون قد أدى الخدمة العسكرية أو أعفى منها قانونًا، وألا تقل سنه يوم فتح باب الترشح عن أربعين سنة ميلادية، ويحدد القانون شروط الترشح الأخرى.
أعمار الرؤساء عند تولي الحكم
| الرئيس | بداية تولي الرئاسة
|
العمر وقت تولي المنصب
|
| محمد نجيب | 18 يونيو 1953 | 52 سنة و4 أشهر تقريباً. |
| جمال عبد الناصر
|
24 يونيو 1956 | 38 عاماً و5 أشهر تقريباً. |
| أنور السادات
|
28 سبتمبر 1970 | 51 عامًا |
| محمد حسني مبارك | 14 أكتوبر 1981 | 53 سنة وخمسة أشهر تقريباً |
| محمد مرسي
|
30 يونيو 2012 | 60 عاماً و10 أشهر و22 يوماً |
| عبد الفتاح السيسي | 8 يونيو 2014 | 59 عاماً و6 أشهر ونصف تقريباً |
المصدر: الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية
يقول السفير معصوم مرزوق، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن جاهزية الشخص لتولي رئاسة الجمهورية لا ترتبط بالعمر، ولا توجد معايير قياس محددة يمكن من خلالها الحكم بصورة قاطعة على توافر الخبرة السياسية أو غيابها، موضحًا أن الأمر يرتبط بالتقاليد السياسية وتراكم الممارسات الديمقراطية في الدول التي تشهد تداولًا للسلطة.
ويضيف مرزوق أن إعداد السياسي يبدأ من مراحل مبكرة، من خلال الممارسة داخل المدارس والجامعات، وصولًا إلى المشاركة في العمل المحلي والمنافسة على عضوية المجالس المحلية، بما يتيح للشخصيات السياسية اختبار قدرتها على مواجهة الأزمات وحل المشكلات والتواصل مع المواطنين.
ويشير إلى أن السياسة تجمع بين الفن والعلم، إلا أن الجانب الفني فيها أكثر حضورًا، موضحًا أن بعض مقومات العمل السياسي، مثل القبول لدى الجمهور والقدرة على التواصل مع الآخرين، قد تكون موهبة فطرية تسهم في تسهيل وصول السياسي إلى المواطنين.
ويضرب مرزوق مثالًا بالرئيس عبد الفتاح السيسي، موضحًا أن ظروفًا تاريخية معينة أسهمت في زيادة شعبيته خلال عام 2013، قبل أن تتراجع لاحقًا بفعل الممارسة السياسية وما يصاحبها من تغير في مواقف الجمهور تجاه من يتولون المسؤولية.
ويشدد على أنه لا توجد وصفة ثابتة لصناعة السياسي أو إعداد شخصية جاهزة لتولي المسؤولية، كما لا يمكن استنساخ نموذج سياسي واحد وتكراره، لافتًا إلى أن التاريخ السياسي العالمي يكشف عن اختلاف الشخصيات والتوجهات، من الليبرالية إلى الشيوعية والاشتراكية، وأن نجاح السياسي أو إخفاقه يرتبط بالظروف التاريخية والمجتمعية والاقتصادية التي يعمل في إطارها.
علاء الخيام: جيل الوسط يخوض تجارب سياسية متعددة خلال السنوات الأخيرة
يرى علاء الخيام، القيادي بالحركة المدنية الديمقراطية وعضو تيار جيل الوسط، أن قدرة الرئيس أو المرشح المقبل للانتخابات الرئاسية على إدارة الدولة لا تعتمد بالضرورة على امتلاكه سنوات طويلة من الخبرة السياسية، بقدر ما ترتبط بحكمته وفهمه لطبيعة الحياة السياسية وقدرته على التعامل مع تحدياتها.
ويضيف الخيام أن جيل الوسط يخوض تجارب سياسية متعددة خلال السنوات الأخيرة، في ظل ما شهدته البلاد من ثورتين وتحولات سياسية وصراعات إقليمية، معتبرًا أن هذه التجارب تمنح أبناء هذا الجيل خبرة تؤهلهم للمشاركة في المنافسة على الرئاسة وتقديم بدائل سياسية مختلفة.
ويشير إلى وجود أسماء عديدة من جيل الوسط يمكنها تقديم تجربة سياسية جيدة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، من بينها أحمد الطنطاوي، وهشام الحريري، وزياد العليمي، وحسام مؤنس، مؤكدًا أن هذه الشخصيات تمتلك تجارب سياسية يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة.
ويوضح الخيام أن المرحلة التالية لانتهاء الفترة الرئاسية الحالية لا تحتاج فقط إلى اختيار رئيس جديد، وإنما تتطلب التفكير في تشكيل فريق عمل متكامل، أو ما يمكن وصفه بمجلس رئاسي، يضم مجموعة من الشخصيات إلى جانب الرئيس، ويتولى كل منها مسؤولية ملف محدد، في ضوء التحديات التي تواجه الدولة، خصوصًا على المستويين الاقتصادي والسياسي.
ويؤكد أن وجود فريق متعاون يتولى إدارة الملفات المختلفة يمكن أن يمثل أحد الحلول المناسبة للتعامل مع الأزمات المتراكمة، بدلًا من تحميل شخص واحد مسؤولية جميع الملفات والتحديات.
ويشدد الخيام، في ما يتعلق بالأجيال السياسية السابقة، على أن جيل السبعينيات يستحق التقدير على ما يقدمه من أدوار سياسية خلال العقود الماضية، لكنه يرى أن المرحلة الحالية تتيح الفرصة أمام جيل جديد لتقديم مدرسة سياسية مختلفة، وطرح مشروع قادر على التواصل مع الشباب والتفكير خارج الأطر التقليدية في معالجة المشكلات.
ويعتبر أن أسماء مثل عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح وحمدين صباحي تحظى بالتقدير، ويمكنها أداء أدوار استشارية أو مساندة فريق العمل المقبل، لكنه يرى أن التوقيت الحالي أكثر ملاءمة لظهور قيادات جديدة من جيل الوسط.
ويتوقع الخيام ظهور أسماء سياسية أخرى خلال الفترة المقبلة، خاصة بعد تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن انتهاء فترته الرئاسية في عام 2030، معتبرًا أن هذه التصريحات قد تفتح المجال أمام شخصيات جديدة لطرح نفسها على الساحة السياسية والاستعداد للمنافسة.
ويشدد على أن أحد أهم شروط المنافسة السياسية الحقيقية يتمثل في عدم تولي المؤسسة العسكرية إعداد مرشح بعينه، محذرًا من أن أي مرشح تدعمه المؤسسة العسكرية بهذه الصورة ستكون لديه، في تقديره، فرص أكبر للفوز بالانتخابات، بما يخل بتكافؤ الفرص بين المتنافسين.
إسلام بهي الدين: تيار جيل الوسط يستعد لطرح مرشح رئاسي شاب
يعتبر إسلام بهي الدين أن تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن إعداد وتأهيل قيادات محتملة لتولي الرئاسة غير موفقة، مؤكدًا أن رئاسة الجمهورية وظيفة سياسية في المقام الأول، وأن التأهيل لها ينبغي أن يأتي من داخل الأحزاب السياسية والشارع المصري، لا من خلال برامج تضعها مؤسسات الدولة.
ويرى بهي الدين أن هذه التصريحات تتجاهل الإرادة الشعبية، مشددًا على أن الشعب، وفقًا للدستور، هو مصدر السلطات، ومن ثم فإن تحديد ملامح الرئيس المقبل واختيار من يتولى المنصب حق أصيل للمواطنين، وليس من اختصاص أي مسؤول حكومي أن يحدد لهم مواصفات الرئيس الذي ينبغي أن يختاروه.
ويؤكد أن الحصول على مؤهل جامعي يمثل حدًا كافيًا من الناحية التعليمية للترشح للرئاسة، بينما تتعلق بقية المقومات بالموهبة السياسية والقدرة على التأثير وفهم طبيعة العمل السياسي، معتبرًا أن هذه القدرات لا تُكتسب بالضرورة من خلال الشهادات الأكاديمية أو البرامج التدريبية وحدها.
ويرفض بهي الدين اشتراط أن يكون المرشح للرئاسة في الفئة العمرية من 40 إلى 50 عامًا، وأن يحمل درجة الماجستير أو الدكتوراه، وأن يجتاز برنامجًا بالأكاديمية العسكرية، معتبرًا أن هذه المعايير غير مقبولة وتتعارض، من وجهة نظره، مع مفاهيم العمل السياسي وقيمه، كما يشكك في إمكانية تنفيذها على النحو المطروح.
ويوضح أن دراسة العلوم السياسية وممارسة العمل الحزبي تمثلان مسارات طبيعية لاكتساب المعرفة اللازمة لفهم الدولة وإدارة شؤونها، لافتًا إلى أن كليات الاقتصاد والعلوم السياسية تؤدي دورًا أكاديميًا في هذا المجال، بينما تتيح الأحزاب السياسية فرصًا للممارسة وتكوين الخبرة وصقل الأفكار السياسية.
ويؤكد بهي الدين أن تيار جيل الوسط يستعد لتقديم مرشح شاب للانتخابات الرئاسية المقبلة، مؤكدًا أن الشخصية التي يعتزم التيار الإعلان عنها ستكون مختلفة عن الأسماء المطروحة في مصر خلال السنوات الماضية، سواء من حيث التوجه أو الرؤية السياسية.
ويصف المرشح المرتقب بأنه شخصية قوية وحاسمة ومثقفة، تمتلك وعيًا بقضايا الأمن القومي وإلمامًا بتاريخ مصر، فضلًا عن امتلاك رؤية وحلول للمشكلات التي تواجه البلاد، مشيرًا إلى أن التيار سيعلن اسمه في التوقيت المناسب، ويدعو المواطنين إلى الالتفاف حوله.
ويعرب بهي الدين عن أمله في أن يتمكن مرشح تيار جيل الوسط من الوصول إلى السلطة، بما يتيح، بحسب تعبيره، تغيير واقع الحياة في مصر وبدء مرحلة جديدة من النهضة.