تحرك يوسف صديق قبل موعد ساعة الصفر بساعة كاملة، فتغيرت خريطة التاريخ المصري، وأُسدل الستار على حكم العائلة العلوية، ونجحت حركة الضباط الأحرار. وكان محمد نجيب، الرجل الكبير الذي دفع ثمن شهامته ومساندته لقيادات الحركة، أول رئيس لمصر. وبعد خلافات مع ضباط الحركة، حُددت إقامته، وعُزل في بيت زينب الوكيل، وطُمس اسمه من كتب التاريخ، وكأنه لم يكن له وجود.
وجاء الرئيس عبد الناصر، الشاب الأسمر، دون شعبية، وهي الشعبية التي بدأت تتشكل بعد حادث المنشية، ومفاوضات الجلاء مع الإنجليز، وخروج آخر جندي إنجليزي من مصر، ومن بعدها تأميم قناة السويس، وقانون الإصلاح الزراعي، وغيرها من الأمور التي سمحت له بأن يكون المعشوق الأوحد لدى المصريين. وحتى في أسوأ أوقاته، بعد نكسة يونيو 1967، خرجت الجماهير لتأييده. فهل ظن ناصر يومًا أنه سيعتلي عرش مصر؟ أو تخيل المصريون أن جمال سيكون رئيسًا بعد محمد نجيب؟
تقول زوجة عبد الناصر في مذكراتها إن السادات كان سيتم إقصاؤه بعد عودة ناصر من روسيا، ولكن القدر لم يمهل ناصر؛ فحدثت أحداث أيلول الأسود، ومات ناصر تاركًا وراءه نائبين للرئيس وحاشية أقوى من السادات، الذي أعلن تعهده بأنه سيسير على خطى عبد الناصر، وانحنى أمام تمثاله. وكما تخلص ناصر من رفاقه، تخلص السادات من مراكز القوى التي كانت ستنازعه الحكم وتهز عرشه. وعاش الرئيس المؤمن، رجل الحرب والسلام، خالدًا، رغم أن كل المقدمات لم تكن توحي بأنه سيصبح رئيسًا، ولا حتى في أحلامه.
وقد اختار السادات نائبًا له من بين قادة أكتوبر، ولم يكن أبرز هؤلاء القادة. فمن بين الشاذلي والجمسي، وقع الاختيار على اللواء مبارك، قائد القوات الجوية، الذي كانت أقصى أمانيه بعد الحرب أن يُعيَّن سفيرًا في لندن، لكنه أصبح رئيسًا بعد مقتل الرئيس السادات في أثناء العرض العسكري.
لم يعيّن مبارك نائبًا له، رغم أنه ظل ثلاثين عامًا في الحكم. وقبل قيام الثورة، ظهرت حركة «لا للتوريث»، ظنًا منه أنه سيورث ابنه الحكم، لكن ثورة 25 يناير هدمت تطلعاته، وإن أنكرها. وعُيّن عمر سليمان نائبًا له بعد فوات الأوان، فقد سقط عرش مبارك، وتولى المجلس العسكري مقاليد الحكم لمدة ثمانية عشر شهرًا. وبعد إجراء انتخابات رئاسية، اعتلى محمد مرسي، ومعه الإخوان، سدة الحكم، وظلوا عامًا ينتقلون من فشل إلى فشل، فخرج الشعب المصري الرافض لحكمهم مرة أخرى ليصحح مسار ثورته، ويعيد الدولة إلى هويتها الراسخة.
وفي ليلة مظلمة عليهم، ساطعة النور على المصريين، عُزل مرسي، وتولى رئيس المحكمة الدستورية، عدلي منصور، الحكم لحين التجهيز لانتخابات رئاسية.
كان الفريق عبد الفتاح السيسي وزيرًا للدفاع في عهد مرسي، فانصاع لصوت المصريين، وهتف المصريون باسمه، وفاقت شعبيته شعبية الرئيس عبد الناصر. وكان مطلبًا شعبيًا أن يتولى السلطة ويترشح في الانتخابات الرئاسية، فسارع الشعب إلى تحرير توكيلاته، ملحًّا على ضرورة ترشحه، ليتحقق له ذلك ويفوز بأغلبية ساحقة.
كان الرئيس السيسي الرئيس الوحيد الذي تولى الحكم وهو يتمتع بشعبية تسبقه؛ فقد حظي ناصر بشعبيته بعد تأميم قناة السويس وبناء السد العالي، وإصدار قانون الإصلاح الزراعي، وحظي السادات بشعبيته بعد انتصار حرب أكتوبر، أما مبارك فقد مكث طويلًا، وعاصرت فترة حكمه أجيالًا عدة، حتى فقد بريقه.
وفي الأكاديمية العسكرية، أعلن الرئيس أن الدستور لن يُمس، ولن يُعبث به، وأنه سيرحل في نهاية مدته التي تنتهي عام 2030، لنصل إلى قمة الأماني: رئيس سابق يسلّم السلطة إلى رئيس جديد، ليكون هناك تداول سلمي للسلطة وتعزيز للديمقراطية. ولكن الغريب أنه أعلن أنه لن يترك الحكم لمارق أو فاسد، وأن عليه تجهيز الرئيس القادم من خلال التدريب في الأكاديمية العسكرية، ليعرف معنى الدولة وقيمتها. لذلك، تحمل الشهور القادمة مزيدًا من المفاجآت، ولا يمكن التخمين بشأن هوية الرئيس القادم. وحتى لو افترضنا وجود بعض الأسماء البارزة، فقد تأتي الصدف والأقدار بشخصية غير معلومة، لكنها ستحصل على فرصتها. ويبقى السؤال: لماذا لا يختار الرئيس السيسي نائبًا له؟
لماذا فُتح ملف الانتخابات الرئاسية في هذا التوقيت، وما زالت هناك ثلاث سنوات متبقية من فترة رئاسته؟
وإن كان تعهد السيد الرئيس بعدم المساس بالدستور يفتح الطريق أمام من أعلنوا أن هناك نية لتعديل الدستور وإضافة مدد أخرى، كما فعل السادات، فيبقى السؤال: من يملك منح صك الوطنية للمرشح؟ فالدستور هو الحاكم بين المصريين، ولكل المصريين، ما دامت تتوافر فيهم الشروط، الحق في الترشح. فما مبرر الانتقاء والقول بضرورة أن يعرف المرشح معنى الدولة؟ وهل كان الجندي الذي وضع جسده أمام فوهة المدفع لحماية وطنه والدفاع عن سلامة أراضيه أقل وطنية؟ هؤلاء الجنود هم أبناء مصر الذين تشربوا الوطنية دون أن يوجّههم أحد أو يعلّمهم إياها، وكان من بينهم غير المتعلمين.
صحيح أن منصب الرئيس له قدره وتقديره، وهذا يُلقي على عاتق كل من يريد الترشح من أبناء الشعب المصري، دون استثناء، مسؤولية إعلان رغبته، وتقديم برنامجه، وشرح طريقة تناوله للقضايا كافة أمام أبناء وطنه، فهم الشعب، المصدر الرئيسي للسلطات.
لم نعد نريد أن نتفاجأ برئيس لم يكن يتوقع، حتى في أعظم أحلامه، أن يعتلي عرش خوفو.