هل يمكن لأحد أن ينكر براعة عازفي سفينة تايتانيك؟ ثباتهم الانفعالي، ومهاراتهم، وإصرارهم على أداء مهمتهم حتى اللحظة الأخيرة، وكأن شيئًا لا يحدث من حولهم؟ لقد واصلوا العزف بمنتهى الجدية والإتقان، بينما كانت السفينة تشق طريقها نحو قاع المحيط. لكن هل يكفي الإخلاص للعمل، والطاعة للأوامر، وإتقان المهمة حتى آخر نفس، لتبرئة أصحابها من كل مسؤولية؟ هل كانوا يؤدون واجبهم على الوجه الأكمل، أم أنهم أضاعوا دقائق ثمينة في عزف لن ينقذ السفينة، وربما كان يمكن استثمارها في محاولة تقليل الخسائر وإنقاذ الأرواح؟ أين ينتهي الإخلاص للمهمة، وأين تبدأ المسؤولية عما يحدث خارج حدودها؟
قد تكون كل الإنجازات التي استعرضتها الحكومة في منتداها حقيقية، ووقائع ملموسة لا يمكن إنكارها. لكن اختزال المشهد في بؤر وبقع بعينها، وانتقاء زوايا محددة منه، بحيث يبدو وكأنه بلغ حد الكمال الذي لا يمكن بعده تقديم الأفضل، لا يصب في مصلحة أحد.
كما أن التعامل مع كل من يحاول الوقوف في زاوية مختلفة، ليرى المشهد من منظور آخر أو من أفق أوسع، باعتباره خائنًا أو مشككًا أو فاقدًا للإخلاص والتقدير للجهود الحكومية، لا يخدم أحدًا. فليس من الإنصاف أن يصبح الاعتراف بالإنجازات مرادفًا للصمت عن الإخفاقات، أو أن يتحول تقدير الجهود إلى شرط للتغاضي عن أوجاع الناس.
إن تجاهل مشكلات حقيقية يئن منها المواطنون يوميًا، وينزفون تحت وطأتها أحيانًا في صمت، بلا صراخ أو بكاء، ليس مجرد إغفال عابر؛ بل هو استنزاف بطيء للإنسان، لشغفه وطموحه، ولإحساسه بحقوقه الأساسية.
أما الهبوط المدوي للجنيه إلى مستويات متدنية، قبل حتى أن يضع المنتدى أوزاره، فكان ردًا بليغًا من الواقع على المشهد الاحتفالي؛ ردًا ربما لا يحتاج إلى كثير من التفسير.
لن أرتكب الخطأ الذي يقع فيه بعض المسؤولين، حين ينظرون إلى كل من يشعر بالخطر أو القلق باعتباره مثيرًا للشك، أو مصدرًا لتكدير السلم العام. لن أسيء الظن، ولن أنكر ما قد يكون تحقق بالفعل من نجاحات. فقد بدأت حديثي بالإقرار بأن بعض ما استعرضته الحكومة، لا سيما فيما يتعلق بتحسين الأوضاع المعيشية لبعض القطاعات المهمشة من المواطنين، قد يمثل تحولًا بدرجة ما في مسار حياتهم، حتى لو كانت الدولة أعطت معظمهم سمكة ولم تثقل نفسها بتعليمهم الصيد.
لكن الصورة لا تكتمل عند هذه النقطة؛ فهناك قطاعات أخرى تدهورت أحوالها، ليس ماديًا فحسب، بل صحيًا وتعليميًا وأخلاقيًا أيضًا، قطاعات فقدت حتى فرصتها للحصول على تلك «السمكة».
وربما نجد في تعبير «العزف المنفرد» وصفًا كافيًا لما حدث. فقد بدت الحكومة وكأنها تحدث نفسها حرفيًا طوال فعاليات المنتدى، في غياب أي أصوات نقدية أو معارضة قادرة على إحداث توازن في المشهد.
ولم يقتصر الأمر على استبعاد الأصوات المحسوبة على المعارضة؛ فحتى بيوت الخبرة، التي يُفترض أنها بعيدة عن شبهة المنافسة السياسية – إن جاز أصلًا اعتبارها شبهة – لم تجد لها، ولو في لقطة عابرة، مكانًا وسط ذلك المشهد للتعبير عن وجودها.
ولم أفاجأ بإبداء أكاديميين وخبراء وباحثين أسفهم على حالهم عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، مصرحين بخيبة أملهم في مشاركتهم، وعن شعورهم بأن حضورهم لم يكن سوى استكمال للديكور، لإضفاء مظهر تشاوري على مشهد احتفالي بالحكومة، لا منتدى حقيقيًا للحوار والتفاعل والنقد.
والسؤال الآن، بعدما انفضّ المولد، وانتهى كل عازف من أداء نوتته المعدّة سلفًا: هل سنتريث قليلًا؟ هل نصمت للحظات، ونتوقف عن التصفيق، لننصت إلى صوت الرياح، ودويّ الرعد، وارتطام السفينة بجبل جليدي لا نعرف حتى الآن حجمه الحقيقي؟ فما خفي منه ربما كان أعظم.
هل سنحاول تدارك ما تبقى من وقت، باستعادة مهارات السباحة، أو بتعزيز قوارب النجاة، أم أننا سنواصل الإنصات إلى المقطوعة حتى نهبط جميعًا إلى أسفل المحيط، ولا يزال صداها يطنّ في آذاننا مختلطًا بفواصل مختارة من التصفيق الحماسي، قبل أن يتلاشى… ولا يبقى لنا إلا صمت القاع الثقيل.