رغم تعقيدات المشهد الفلسطيني، تبقى غزة واحدة من أكثر الملفات حساسية في معادلة الأمن القومي المصري، فكل ما يجري داخل القطاع — استقرارًا كان أم فوضى — ينعكس مباشرة على الحدود الشرقية لمصر وعلى توازنات الإقليم بأكمله، من هنا تتعامل القاهرة مع غزة باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لأمنها القومي، وتسعى دائمًا إلى تثبيت الهدوء ومنع الانفجار لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، تدور صراعات متشابكة بين حماس وفتح، وتتحرك قوى إقليمية ودولية في اتجاهات مختلفة، في وقت لا تزال فيه إسرائيل تعيد حساباتها بعد فشلها في تحقيق أي مكسب سياسي أو عسكري في حربها الأخيرة على القطاع.
في هذا التحقيق، يرصد “القصة” خريطة الموقف من خلال ثلاثة أصوات خبراء ومصادر رفيعة المستوى: اللواء محمد رشاد وكيل المخابرات العامة الأسبق، الدكتور علي الأعور مدير دائرة الاتصالات الإسرائيلية في السلطة الفلسطينية، والسفير حسين هريدي مساعد وزير الخارجية الأسبق.
ثلاث قراءات متكاملة تكشف خيوط المشهد وتعيد طرح سؤال المستقبل: إلى أين تتجه غزة بعد وقف النار؟
غزة والأمن القومي المصري
يؤكد اللواء محمد رشاد، وكيل المخابرات العامة الأسبق، أن الاستقرار في غزة ليس ملفا فلسطينيا فقط، بل هو ركيزة أساسية في أمن مصر القومي وامتداده، وأي فوضى هناك تهدد أمننا القومي، فهي دولة حدودية، وأي استقرار فيها يمثل جزءًا من أمن مصر، وأي اضطراب ينعكس علينا مباشرة، ولهذا كانت مصر دائمًا مشددة على ضرورة تحقيق الاستقرار والسلام في غزة بأي شكل من الأشكال.”
ويضيف أن التوغل الإسرائيلي في القطاع يهدد الأمن القومي المصري ذاته، وهو ما يفسر الموقف الحازم للقاهرة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية:”مصر كانت جادة في مواجهة هذه الاعتداءات، وطالبت دوماً بإنهائها ووقف الحرب عند حد معين دون التوسع فيها. لكن نتنياهو كان له رأي آخر، إذ بدأ في تنفيذ عمليتي (جدعون 1) و(جدعون 2)، إلا أنه لم يحقق أي هدف عسكري أو سياسي منهما.”
ويرى “رشاد” أن نتنياهو أطال أمد الحرب لأسباب شخصية مرتبطة ببقائه في الحكم قائلا: “هو يطيل الحرب من أجل مصلحته الشخصية، ليستمر في رئاسة الحكومة الولايات المتحدة منحت نتنياهو فرصة لتحقيق أهدافه لكنه فشل، ولهذا بدأت واشنطن توازن بين مصالحها في الشرق الأوسط وعلاقتها بإسرائيل، بعدما شعرت أن صورتها وسمعتها الدولية أصبحت مهددة الآن تحاول أمريكا إنقاذ إسرائيل من نفسها، حتى لا تتحول إلى عبء على السياسة الأمريكية في المستقبل”.
براغماتية سياسية وحسابات داخلية
في تحليله لطبيعة إدارة حماس للموقف بعد الحرب، يقول اللواء محمد رشاد: “حماس أدارت الأزمة بقدر كبير من الحكمة، وحرصت على ألا يؤدي عنادها السياسي إلى خراب غزة وتعاملت بذكاء مع عرض ترامب للسلام، وركزت على وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات والحد من الإبادة التي يتعرض لها سكان القطاع، فإسرائيل لم تكن تحارب حماس، بل كانت تضرب المدنيين للضغط على الحركة”.
ويضيف: “الآن دعت حماس إلى توحيد الموقف الفلسطيني ووافقت أن تبقى خارج الصورة مؤقتًا، لكنها تبرر وجودها الحالي في غزة بأن عناصرها الأمنية تحاول فرض الأمن ومنع الفوضى إلى حين تسليم القطاع للجنة المكلفة بإدارته هذا وضع طبيعي في مرحلة انتقالية، فلابد من وجود قوى أمنية تحفظ النظام إلى أن تتشكل اللجنة وتستلم مهامها”.
ويتابع رشاد موضحًا: “الاشتباكات الأخيرة متوقعة، لأن الموقف الفلسطيني بأكمله متشابك منذ زمن، ومصر وضعت ذلك في حسابها. لكن القاهرة تعمل على جمع كل الفصائل الفلسطينية لاتخاذ موقف موحد بشأن مستقبل القضية، وتستكمل جهودها لتوحيد الصف ووضع حد لهذه الاشتباكات”.
الانقسام الفلسطيني.. عقدة الإعمار والمستقبل
يقول اللواء رشاد أيضًا إن الانقسام القائم بين فتح وحماس هو العقبة الأخطر أمام أي تقدم في الملف الفلسطيني: “الانقسام موجود منذ 17 عامًا بين فتح وحماس، وبقية الفصائل تأثيرها محدود عدم الثقة بين الحركتين هو ما أوصل الشعب الفلسطيني إلى هذا الوضع، وكل الجهود لإنهائه فشلت سواء في الجزائر أو القاهرة أو بكين أو موسكو”.
ويحذر من أن استمرار هذا الانقسام سيؤدي إلى تباطؤ إعادة الإعمار وربما توقفه بالكامل: “لا يوجد عنوان موحد للتعامل مع الأمم المتحدة أو المانحين، أوروبا والدول العربية لن تقدم دولارًا واحدًا في ظل هذا الانقسام هناك حكومتان، واحدة في غزة وأخرى في رام الله، وبالتالي لا يوجد قرار فلسطيني موحد لقيادة المرحلة المقبلة”.
ويضيف: “هذا الانقسام سيؤثر سياسيًا واقتصاديًا، ويؤخر إعادة الإعمار، كما سيضعف الموقف الفلسطيني في أي مفاوضات مستقبلية، فلا يمكن أن تكون هناك دولة فلسطينية دون وحدة حقيقية وقيادة موحدة”.
الدور المصري الثابت
ويشدد اللواء محمد رشاد على أن الموقف المصري لم يتغير رغم كل التحولات: “ما زالت مصر تعتبر القضية الفلسطينية مركز الصراع في الشرق الأوسط، وترى أن حلها هو الطريق إلى الاستقرار الإقليمي، وربما حتى إلى الأمن والسلم الدوليين القاهرة ساهمت في منع التهجير، وما زالت تتبنى القضية الفلسطينية كقضية قومية ووطنية لشعبها وقيادتها”.
ويضيف أن القاهرة حاولت تشكيل لجنة للإسناد المجتمعي بين حماس وفتح، لكن المشروع فشل عند وصوله إلى رام الله: “للأسف تم تشييع جنازته مبكرًا، لكن مصر ما زالت تعمل بجهود قومية من أجل إعادة اللحمة الوطنية الفلسطينية وإنهاء الانقسام على أساس قرار فلسطيني وقيادة موحدة”.
العصابات المسلحة.. خطر داخلي يهدد القطاع
من جانبه، يحذر الدكتور علي الأعور، مدير دائرة الاتصالات الإسرائيلية في السلطة الفلسطينية، من تنامي ظاهرة العصابات المسلحة داخل غزة، قائلاً: “قضية العائلات والعصابات المسلحة تشكل في هذه الأيام إشكالية كبرى في المجتمع الفلسطيني، خاصة عصابات الأسطل وأبو شباب ودغمش وغيرها، التي وصلت إلى مستوى لا يمكن قبوله، فهذه العصابات تقتل الشباب الفلسطيني بدم بارد وتسعى للانتقام والثأر، وحماس نفذت عمليات إعدام ضد بعض أفرادها”.
ويتابع الأعور: “إسرائيل تغذي هذه العصابات وتزودها بالسلاح، وتتخذ منها ملاذًا آمنًا لإشاعة الفوضى، وهذا يشكل خطرًا كبيرًا على مستقبل غزة وإعادة الإعمار والتنمية”.
ويقترح الأعور حلاً جذريا لهذا الملف بأنه لابد أن تصدر حماس عفوًا شاملاً وتدمج هذه العصابات في المشروع الوطني، فقرار العفو يمكن أن يسهم في حل الأزمة وإعادة الحياة الاجتماعية والسياسية إلى طبيعتها من أجل مستقبل غزة والقضية الفلسطينية.
الوضع الانتقالي بعد الحرب
ويرى الأعور أن ما يجري الآن في غزة يمثل مرحلة انتقالية حساس، قائلًا: “السلطة الوطنية الفلسطينية لا تمارس أي دور فعلي في حفظ الأمن داخل القطاع أو في المناطق التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية، حماس نشرت بعض عناصرها بتنسيق مع قوى دولية لحفظ الأمن مؤقتًا، لحين تشكيل القوة الدولية التي ورد ذكرها في خطة السلام التي قدمها الرئيس ترامب”.
ويكشف أن حماس بدأت تصفية حسابات داخلية وذلك بأن الحركة تقوم بتصفية بعض المتعاونين مع إسرائيل أو الذين كانوا يبلغون عن أماكن وجود عناصرها هذا ليس غريبا على حماس، فقد فعلت ذلك من قبل مع عناصر فتح في 2007، وهي تعيد الكرة الآن لتؤكد أنها ما زالت موجودة على الأرض رغم الخسائر التي لحقت بها.
الصراع الداخلي.. خدمة غير مباشرة لإسرائيل
أما السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، فيرى أن استمرار الصراعات الفلسطينية الداخلية لا يخدم القضية إطلاقًا، بل يحقق أهداف إسرائيل بطريقة غير مباشرة وذلك من خلال أن: “الأجندة الإسرائيلية واضحة منذ سنوات، فتل أبيب تقول دائمًا إنه لا يوجد شريك فلسطيني للسلام، وتشير إلى أن حماس تسعى للقضاء على فكرة الدولة الفلسطينية لذلك فإن استمرار الانقسام والصراع الداخلي لا يخدم إلا إسرائيل”.
ويضيف: “إسرائيل دائمًا تستغل هذا الانقسام لتبرير مواقفها، بينما الفلسطينيون يدفعون الثمن من دمائهم ومستقبلهم. لابد من إنهاء هذا الصراع لأنه يضعف الموقف الفلسطيني ويعطل أي إمكانية لحل عادل وشامل”.
مصر.. من وساطة سياسية إلى حماية قومية
يؤكد هريدي أن القاهرة تنظر إلى القضية الفلسطينية من منظور أمن قومي واستراتيجي لا مجرد وساطة دبلوماسية، قائلاً: “مصر ساهمت في وقف الحرب ومنعت التهجير، وتبذل جهودًا مستمرة لإنهاء الانقسام والمصالحة الفلسطينية، لأن استقرار غزة جزء من استقرار مصر والمنطقة، هي ترى أن القضية الفلسطينية ليست ملفًا إقليميًا فقط، بل هي قضية العرب جميعًا، وجزء من مسؤوليتها التاريخية”.
المشهد القادم: غزة على مفترق طرق
في ضوء هذه الرؤى الثلاث، يبدو أن غزة تقف الآن على مفترق طرق تاريخي، فإما أن تنجح الفصائل الفلسطينية في توحيد صفوفها وتشكيل قيادة جديدة قادرة على إدارة القطاع بعد الحرب، أو أن يستمر الانقسام والفوضى، ما يعني مزيدًا من التأخر في إعادة الإعمار وتعميق الجراح.
القاهرة، من جانبها، تدرك أن مستقبل غزة لا ينفصل عن أمنها القومي، ولذلك ستستمر في جهودها لتوحيد الفصائل الفلسطينية وإعادة بناء مؤسسات السلطة الوطنية، مع الحفاظ على الهدوء ومنع أي فوضى على حدودها الشرقية.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحا: هل تنجح مصر في جمع الفصائل حول طاولة واحدة لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ فلسطين؟ أم تبقى غزة أسيرة الانقسام والفوضى والمصالح المتقاطعة بين القوى الإقليمية والدولية؟
الجواب — كما يقول أحد الخبراء — “سيحدده الفلسطينيون أنفسهم… إذا أدركوا أن اللحظة التاريخية لا تحتمل مزيدًا من الانقسام”.