من جديد، تتجه الأنظار إلى شرم الشيخ، المدينة التي طالما ارتبط اسمها بملفات السلام وأروقة التفاوض، فبينما تعود الوفود الإقليمية والدولية اليوم لعقد قمة جديدة بشأن الحرب على غزة ومحاولة تثبيت وقف إطلاق النار، يستعيد المشهد ذاكرة عقود من محاولات السلام التي جمعت الفلسطينيين والإسرائيليين على طاولات متقاربة، لكنها انتهت بنتائج متباينة.
تاريخ اتفاقيات السلام بين فلسطين واسرائيل
فمن أوسلو 1993 التي وعدت بدولة فلسطينية خلال خمس سنوات، إلى واي ريفر 1998 وأنابوليس 2007، ظل الأمل في سلام دائم يتبدد أمام عراقيل الاحتلال وغياب الإرادة الحقيقية واليوم، في شرم الشيخ 2025، يتكرر المشهد لكن في سياق مختلف؛ إذ تحضر ملفات الأمن، ونزع السلاح، وتبادل الأسرى، إلى جانب تدخل مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي قال في تصريح مثير للجدل لشبكة “سي إن إن”: “إسرائيل قد تستأنف القتال بمجرد كلمة مني إذا لم تلتزم حماس باتفاق وقف إطلاق النار”.
تصريح أعاد للأذهان تاريخ الانحياز الأمريكي في كل محطات التسوية السابقة، وأثار تساؤلات مشروعة حول مدى التزام الاحتلال بأي تفاهمات جديدة، في ضوء تجارب سابقة كانت تبدأ بالوعود وتنتهي بالتصعيد.
وفي ظل هذا الترقب، تتباين القراءات حول ما يجري في شرم الشيخ: فالبعض يراه نجاحا مصريا في استعادة زمام المبادرة الدبلوماسية وإيقاف مخطط التهجير المؤقت من غزة، فيما يعتبره آخرون صراع إرادات جديد بين قوة الواقع ومناورات السياسة، بينما يرى الفلسطينيون أن المرحلة الحالية تكشف تحولات في موازين القوى لم تعد تسمح بتجاهل المقاومة أو تجاوزها في أي تسوية قادمة.
ثلاث رؤى مختلفة لمشهد واحد، عبر عنها كل من؛ السفير رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، والدكتور حامد جبر المحلل السياسي، والقيادي في حركة فتح جهاد حريزان الذين تحدثوا جميعًا لـ”القصة” من زوايا متباينة، لكنها تلتقي عند سؤالٍ واحد:
هل تنجح شرم الشيخ هذه المرة في أن تكتب فصلًا جديدا من سلام حقيقي، أم أننا أمام تكرار لدائرة السلام المؤقت الذي لا يصمد أمام اختبار الميدان؟
صراع إرادات.. والسلام لا يُصنع إلا بالقوة
يرى المحلل السياسي والقيادي بحزب الكرامة، حامد جبر، أن ما حدث في مؤتمر شرم الشيخ لم يكن مجرد لقاء سياسي، بل كان صراع إرادات تمكنت فيه مصر من التحرك في الحيز المتاح أمامها، في مواجهة غطرسة القوة التي مارسها الرئيس الأمريكي، وسط صمت باقي الأطراف الضامنة لما يسمى باتفاق السلام بين المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني المدعوم أمريكياً والمنفذ لمخططاتها.
وأوضح أن مصر استرجعت قوتها الكامنة وخبراتها المتراكمة على مستوى الخارجية والمخابرات العامة، واستطاعت أن توقف – إلى حين – مخطط التهجير من غزة، وتحافظ مؤقتًا على أمنها القومي. وأضاف قائلًا: “أقول إلى حين ومؤقتًا، لأن الغدر هو من سمات وصفات الكيان الصهيوني”.
وأكد جبر أن السلام الحقيقي مرهون بالاعتراف الكامل بحقوق الشعب العربي الفلسطيني على كامل أرضه العربية من النهر إلى البحر، وليس بمجرد اتفاقيات سلام مزعومة. مضيفًا أن ما حدث البارحة لم يكن سلامًا بقدر ما كان التقاط أنفاس مؤقت، لأن السلام لا يعني استسلام طرف تحت إذعان القوة المفرطة التي دمرت الحجر قبل البشر.
وتابع: “السلام الحقيقي لا يكون إلا بين إرادات حرة، وما شاهدناه كان فرض شروط ملتبسة تمنح طرفًا حق معاودة الاعتداء وتحرمه على الطرف الآخر. السلام لن يتحقق إلا بالقوة، فمن يمتلكها يستطيع أن يفرض شروطه أو يرفض ما يُملى عليه”.
وفي تحليله لمسار الاتفاقيات السابقة، أوضح الدكتور جبر أن جميع الاتفاقيات السابقة لا تتشابه مع ما يجري اليوم، لاختلاف الظروف الدولية والإقليمية. فبينما كان في الماضي موقف عربي شبه موحد تجاه القضية الفلسطينية، فإن الواقع الآن تغيّر تمامًا، إذ اختلفت الأهداف والمشاريع عربيًا ودوليًا.
فعلى المستوى الدولي، نشأت تكتلات جديدة تسعى لإعادة تشكيل النظام العالمي نحو ثنائية أو تعددية الأقطاب بدلًا من سيطرة أمريكا المنفردة على القرار الدولي سياسيًا واقتصاديًا. أما إقليميًا، فأصبح لكل إقليم عربي مصالحه الخاصة حتى وإن تصادمت مع مصالح أقاليم عربية أخرى.
وأضاف بأسف: “حتى بيننا من يستخدم اسم “دولة إسرائيل”، بينما تسميتها الصحيحة هي الكيان الصهيوني المغتصب للأرض العربية في فلسطين”.
وأكد أن كل الاتفاقيات التي تناولت القضية الفلسطينية لم تكن تعرف إلا تنفيذ إرادة الكيان الصهيوني في نزع سلاح المقاومة.
واختتم قائلًا: “أكرر أنني لا أحب استخدام كلمة إسرائيل إلا إذا كان المتحدث لا يعترف بأنها كيان مغتصب للأرض والمقدسات العربية – الإسلامية والمسيحية. هذا الكيان لا يحترم أي معاهدة، لا قديمًا ولا حديثًا. انظروا إلى ما يفعله في لبنان بعد اتفاقية وقف إطلاق النار، وفي سورية عبر اعتداءاته المستمرة وضم أراضٍ من جبل الشيخ والقنيطرة وصولًا إلى قلب دمشق. إنه كيان لا يعرف إلا لغة القوة، ولو كان العرب كما كانوا في السابق، لتغير المشهد تمامًا”.
شرم الشيخ مدينة السلام وساحة التوازنات الدقيقة
من جانبه، تحدث السفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، لـ”القصة”، مؤكدًا أن اختيار شرم الشيخ لم يأتِ من فراغ، بل لما تمثله من رمزية سياسية وأمنية وسياحية جعلتها الوجهة المفضلة لمؤتمرات السلام.
دلالات اختيار شرم الشيخ
وقال: “اختيار شرم الشيخ له دلالات متعددة، فهي مدينة هادئة، مؤمّنة، ومجهزة لاستضافة الوفود الدولية على أعلى مستوى، مما يسهم في توفير بيئة ملائمة للنقاش والحوار هذه ما تُعرف في أدبيات السياحة بـ”سياحة المؤتمرات”، إذ تحرص الدول ذات المقومات السياحية على امتلاك مدينة مهيأة لاستضافة الفعاليات الدولية، وهو ما يميز شرم الشيخ بفضل سهولة الحركة، وارتفاع مستوى التأمين، وجمال الطبيعة الذي يمنح الوفود أجواء مريحة خلال التفاوض”.
وأضاف السفير رخا أن القمة الحالية تختلف عن سابقاتها من حيث الشكل والمضمون، قائلًا:”على خلاف القمم الفلسطينية السابقة، جاءت هذه القمة بوجود الراعي الرسمي لإسرائيل — الرئيس الأمريكي دونالد ترامب — الذي كان يروج لفكرة أن “القوة هي التي تصنع السلام”، الاتفاق الذي جرى التوقيع عليه لم يكن اتفاقًا تفصيليًا بقدر ما هو إطار عام، يتضمن مبادئ للتعايش السلمي ونبذ الكراهية، وقد وقعت عليه أربع دول رئيسية تمتلك نفوذًا مؤثرًا في مسار السلام داخل قطاع غزة، وهو ما يمنحه أهمية استثنائية”.
خطة غير واضحة المعالم
وحول مدى التزام إسرائيل بالتفاهمات الجديدة، أوضح أن الاحتمال يبقى قائمًا لعدة أسباب: “احتمال التراجع الإسرائيلي وارد، لأن ما يُعرف بخطة ترامب ليست خطة تنفيذية واضحة المعالم، بل إطار عام يتضمن عشرين بندًا، وكل بند يحتاج إلى مفاوضات مطولة، المرحلة الأولى التي انطلقت تضمنت وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وإدخال المساعدات، وبدء انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية، مع فتح المعابر دون قيود ووفق ما أعلنته المصادر، فقد بدأ فعليًا التفاوض على المرحلة الثانية من الخطة، ما يعني أننا أمام عملية متعددة المراحل وليست اتفاقًا نهائيًا”.
وفي تقييمه للمشهد الميداني، أشار السفير رخا إلى أن المفاوضات لا تزال رهينة الشروط المتبادلة بين إسرائيل وحماس، موضحًا: “بعد مغادرة الرئيس ترامب، أعلن نتنياهو أن الحرب لن تنتهي إلا بنزع سلاح حماس، بينما أكدت الحركة أنها لن تتخلى عن سلاحها إلا بانسحاب إسرائيل الكامل من قطاع غزة واعترافها بالدولة الفلسطينية ومع ذلك، أبدت حماس استعدادها المبدئي لتسليم السلاح إلى لجنة مصرية فلسطينية عربية وربما دولية، بعد تحقق الانسحاب الإسرائيلي، في خطوة تعكس براغماتية سياسية لكنها في الوقت ذاته تكشف تمسك الحركة بشروطها الأساسية”.
المقاومة أصبحت رقمًا صعبًا
وفي سياق ذاته؛ أكد القيادي في حركة فتح “جهاد حريزان: في تصريحات خاصة لـ”القصة”، أن القمة الحالية تحمل طابعًا مختلفًا عن سابقاتها، إذ لم تعد الأطراف تتحدث من خلف خطوط تماس بعيدة، بل من واقع ميداني متغير فرض نفسه على الطاولة.
وقال حريزان: “إسرائيل استخدمت الاتفاقات السابقة كأداة لشراء الوقت، لكن الجديد الآن أن موازين القوى تشهد تحولات حقيقية، المقاومة الفلسطينية أصبحت رقمًا صعبًا في المعادلة الإقليمية، ولم يعد ممكنًا تجاوزها في أي تسوية قادمة”.
وأضاف أن مصر تظل اللاعب الأكثر تأثيرًا في أي مفاوضات تخص غزة أو إعادة الإعمار، مؤكدًا أن “شرم الشيخ ليست مجرد موقع جغرافي للمؤتمرات، بل رمز لدبلوماسية مصرية محايدة قادرة على جمع الأطراف المتصارعة في مساحة آمنة للحوار”.
وختم بالقول: “ما يميز هذه القمة أن الملفات مطروحة بشفافية أكبر، والكل يدرك أن استقرار المنطقة لن يتحقق دون حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية”.
شرم الشيخ بين الواقع والرمز
تبدو شرم الشيخ اليوم وكأنها تكتب من جديد فصلًا في كتاب السلام، لكنها هذه المرة تفعل ذلك في زمن مختلف، وأمام واقع لم يعد يقبل المساومات، فبين رمزية المكان وثقل اللحظة، يتجدد السؤال الذي ظل معلقًا منذ عقود: هل تنجح المدينة التي جمعت قادة الحرب والسلام في أن تعيد إحياء الأمل في شرق أنهكته الصراعات؟
أم أننا أمام مشهد جديد يحمل العنوان ذاته — السلام — لكن بنص مختلف ونهايات لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات؟