لم تكن “فرشاة” الصغير أحمد تضع مجرد لون أزرق على جدار ميناء غزة المتهالك، بل كانت ترسم بحراً بلا بوارج، و أفقاً يتسع لسفن وعدت بكسر عزلة المدينة.
في مشهد يضج بالحياة وسط الركام، اجتمع عشرات الأطفال الغزيين ليزينوا جدران الميناء بجدارية ضخمة، بعثوا من خلالها رسائل تضامن وترحيب بـ “أساطيل كسر الحصار” المرتقبة، محولين الاسمنت الصامت إلى صرخة أمل ملونة.
ريشة تغزل الأمل تحت الشمس
تحت شمس غزة الدافئة، وبمحاذاة قوارب الصيادين التي أكلها الصدأ بفعل المنع، رسم الأطفال سفناً بيضاء كبيرة، ترفرف فوقها أعلام دول شتى، وشعارات تنادي بـ “الحرية لغزة”، هؤلاء الصغار الذين كبروا وهم لا يعرفون عن البحر سوى حدود الحصار، جسدوا في لوحتهم رؤية مغايرة، ميناء يستقبل الضيوف بالورد، وأرصفة تضج بالفرح لا بالانتظار المرير.
تقول والدة الطفلة مي، واصفه المشهد لـ”القصة” عن سعادة طفلتي وهي تلطخ يدها باللون الأحمر لترسم علماً صغيراً: “نحن نرسم لكي يرى العالم أننا ننتظرهم نريد لهذه السفن أن تأتي لتجلب لأطفالنا الألعاب والأدوية، و لتخبرنا أننا لسنا وحدنا في هذا العالم”.
“استفتاء بالريشة والألوان”
من قلب الميدان، يصف الصحفي أسامة الكحلوت هذا المشهد، وهو الذي اعتاد توثيق تفاصيل الصمود الغزي بعدسته وقلمه. يقول الكحلوت في شهادته لـ “القصة”:”ما نراه اليوم على جدران الميناء ليس مجرد رسومات أطفال، بل هو استفتاء شعبي بالريشة والألوان لقد رافقت هؤلاء الصغار وهم يمزجون ألوانهم بملح البحر، هناك إصرار غريب في عيونهم هؤلاء الأطفال يحولون اليوم هذا المفهوم السياسي المعقد لكسر الحصار إلى لغة بصرية يفهمها العالم أجمع.”
ويضيف الكحلوت موضحاً رمزية المكان: “الميناء بالنسبة لنا كصحفيين هو نقطة ترقب دائمة، لكنه بالنسبة لهؤلاء الأطفال هو بوابة الأمل، إن توثيق هذه اللحظات هو واجب أخلاقي لنقل صرختهم بأن غزة لا تنتظر المساعدات فحسب، بل تنتظر الكرامة التي تمثلها هذه الأساطيل”.
رسالة الميناء.. نحن ننتظركم
تأتي هذه الجدارية كفعل شعبي عفوي، يحمل دلالات سياسية عميقة بلسان طفولي، فالميناء الذي كان يوماً نافذة غزة على العالم، صار اليوم بفضل هؤلاء الصغار “منصة رسائل”.
كل ضربة فرشاة كانت بمثابة نداء استغاثة مغلف بالأمل، موجه إلى المتضامنين الدوليين على متن أساطيل كسر الحصار، مفاده أن “أطفال غزة يحرسون الحلم على الشاطئ”، وأن الألوان هي سلاحهم الأخير في وجه الرمادي الذي تفرضه الحرب.
