في ظل استمرار النقاش حول أوضاع الحياة السياسية والعامة في مصر، يظل ملف حرية الرأي والتعبير واحدًا من أكثر الملفات حضورًا في الجدل العام، بين رؤى ترى أن هناك مساحة متاحة للتعبير تتطور تدريجيًا، وأخرى تعتبر أن هذه المساحة ما زالت بحاجة إلى توسيع أكبر.
أين يقف “سقف الحريات” في مصر؟
ويأتي هذا النقاش في سياق أسئلة أوسع حول طبيعة البيئة السياسية والإعلامية، وحدود المشاركة في إبداء الرأي، ودور المؤسسات المختلفة في تنظيم هذه المساحة وضبطها، بما يحقق التوازن بين الاستقرار العام وحرية التعبير.
معصوم مرزوق: هناك تراجع
وفي هذا السياق، قال السفير معصوم مرزوق، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن الحديث عن وجود سقف للحريات في مصر خلال الفترة الحالية لم يعد قائمًا، مؤكدًا أنه لا يوجد سقف فعلي للحريات، في إشارة إلى ما اعتبره تراجعًا واضحًا في مساحتها.
وأوضح “مرزوق” خلال حديثه عن وضع الحريات لـ “القصة”، أن الواقع المحيط يقدم العديد من الأدلة على هذا التراجع، مشيرًا إلى أن مسألة البحث عن سقف للحريات لم تعد مطروحة في ظل الأوضاع الراهنة.
وفيما يتعلق بإمكانية تحقيق توازن بين متطلبات الأمن القومي وضمان الحريات، أكد أن هناك ضرورات أمنية لا يمكن إنكارها أو رفضها، باعتبار أن المجتمع يمنح السلطة مساحة للتعامل مع هذه الضرورات، بما يشمل احتكار استخدام القوة وتحديد الاحتياجات الأمنية، لكنه حذر في الوقت ذاته من تلاشي الحدود الفاصلة بين هذه الضرورات والحقوق الدستورية للمواطنين، وهو ما يؤدي إلى تغول الاعتبارات الأمنية على حساب حقوق الأفراد.
وشدد على أن الدساتير والقوانين وكذلك الأديان، جاءت في الأساس لحماية الإنسان وتكريمه، لا لفرض قيود تنتقص من كرامته، مؤكدًا أن حقوق الفرد تمثل قيمة أساسية لا ينبغي المساس بها، وأضاف أنه في حال وجود تعارض بين الضرورات الأمنية وحقوق الأفراد، يجب أن تكون الأولوية لحقوق الفرد، معتبرًا أن شعور الإنسان بالأمان الحقيقي يرتبط بحصوله على حقوقه.
مرزوق: هذا هو التحدي الذي يواجه الحريات
وعن أبرز التحديات التي تواجه الحريات، أشار “مرزوق” إلى أن التحدي الرئيسي يتمثل في غياب الفهم الحقيقي لمعنى الحرية ومغزاها، موضحًا أن هذا المفهوم كان ركيزة أساسية في تطور العديد من المجتمعات.
واستشهد بعدد من النماذج التاريخية، من بينها الثورة الفرنسية، التي اعتبرها مثالًا على دور الحرية في إحداث تحولات كبرى، وكذلك التجربة الأمريكية التي قامت على ضمان الحريات من خلال الوثيقة الدستورية، بما حد من تغول السلطة.
كما أشار إلى وقائع سياسية في الولايات المتحدة، من بينها استقالة ريتشارد نيكسون على خلفية أزمة التجسس على معارضيه، وما تعرض له بيل كلينتون من مساءلة بسبب الإدلاء بمعلومات غير دقيقة، إضافة إلى خسارة جورج بوش الأب لفترة رئاسية ثانية بعد تراجعه عن وعوده الانتخابية، معتبرًا أن هذه النماذج تعكس فاعلية منظومة الحريات في محاسبة السلطة.
وأكد “مرزوق” أن الحرية تمثل عمودًا أساسيًا في بناء المجتمعات، وأن اختلال هذا العمود ينعكس بالضرورة على باقي الهياكل السياسية والاجتماعية.
محمود كامل: سقف الحريات لم يعد قائما
من جانبه، قال محمود كامل عضو مجلس نقابة الصحفيين، إن سقف الحريات في مصر لم يعد قائمًا، معبرًا عن ذلك بقوله إن المساحة المتاحة تراجعت إلى حد كبير، بما لا يتيح سوى هامش محدود للغاية.
وأوضح “كامل”، خلال حديثه حول وضع الحريات، أن الواقع يعكس غيابًا واضحًا لحرية الرأي والتعبير، مشيرًا إلى أن الأمر لا يحتاج إلى تدليل كبير، في ظل وضوح المشهد العام.
وفيما يتعلق بإمكانية تحقيق توازن بين متطلبات الأمن القومي وضمان الحريات وحقوق الإنسان، أكد “كامل” أن غياب الحرية يمثل في حد ذاته خطرًا على الأمن القومي، مضيفًا أن الحفاظ على هذا الأمن يتطلب بالأساس وجود مساحة حقيقية من الحريات، سواء للصحافة أو للمواطنين للتعبير عن آرائهم.
وشدد على أن توفير بيئة تسمح بحرية التعبير في مختلف المجالات يعد عنصرًا أساسيًا لتعزيز الاستقرار، معتبرًا أن أي مقاربة تعتمد على تقييد الحريات قد تنعكس سلبًا على مفهوم الأمن القومي ذاته.
وعن أبرز التحديات التي تواجه حرية الرأي والتعبير، أشار “كامل” إلى أن التحدي الرئيسي يتمثل في غياب الإرادة لتحقيق هذه الحريات، موضحًا أن وجود هذه الإرادة من شأنه أن ينعكس مباشرة على واقع الحريات في البلاد.
وأشار إلى على أن تحقيق قدر من الحرية يظل مرهونًا بوجود توجه واضح يدعمها، معتبرًا أن اي تقدم في هذا الملف يبدأ أولًا بتوافر إرادة حقيقية لإقرارها.