كانت البرجوازية المصرية الحاكمة، وما زالت، تعتمد في نشأتها وتطورها على التبعية، سواء لسلطة الاحتلال أو لجهاز الدولة، حتى في ظل تحررها الشكلي وإطلاق يدها في السوق المصري في عهد السادات.
وقد قررت هذه البرجوازية أن تنشأ وتندمج مع كبار موظفي الدولة الذين سيطروا على السوق تمامًا، بفضل سياسات عبد الناصر التي نقلت الطبقة الحاكمة من الأمراء والملوك وكبار رجال حزب الوفد إلى طبقة الضباط وكبار الموظفين.
واتجه هؤلاء إلى تعويض السوق المصرية بالسلع والخدمات الوطنية، لتدخل الأرباح في العمليتين الأهم في عهد عبد الناصر: التسليح وبناء الرأسمالية الحديثة المسيطرة على السوق والسلع والخدمات، وهي الدولة.
من عبد الناصر إلى مبارك
في عهد مبارك، دخل الشريك الأهم للدولة: صندوق النقد الدولي، الذي كان رفيقًا لسياسات مبارك منذ اللحظة الأولى.
فعلى عكس ما كان يدّعي رجاله، كان مبارك تابعًا جيدًا لسياسات الصندوق، وقد هيّأ الأرض تمامًا من خلال سياسات الخصخصة، وسيطر أمنيًا وسياسيًا على اتحاد العمال الحكومي.
وكانت الضربة الأكبر إقرار قانون العمل المصري الموحد رقم 12 لسنة 2003، الذي أزاح كثيرًا من الضمانات التي كانت مقررة للعمال المصريين في القطاع الخاص، وما تبقى من القطاع العام، أو ما سُمّي بعد ذلك بقطاع الأعمال العام، بعد تعديل قانون إنشائه وتحويله من هيئة وطنية قومية وجزء من الدولة إلى شركات مساهمة تخضع لقواعد السوق والبورصة، مع احتفاظها بكافة أصول الهيئات السابقة واحتكارها لذات وسائل الإنتاج والسلع والخدمات.
وهكذا دخلت الطبقة العاملة في حصارها الثاني، بعد حصار عبد الناصر الأول. فبينما جاء تنظيم عبد الناصر الموحد مقيدًا لحرية التنظيم، جاء مبارك ليستكمل تلك السياسات، من خلال تحرير العلاقة بين العامل وصاحب العمل وإخضاعها لقواعد القانون المدني، بما يجعل الطرفين، نظريًا، في مراكز قانونية متساوية، على خلاف الواقع المرير الذي يعيشه العمال.
طرح أصول ووسائل الإنتاج والخدمات في البورصة لصالح من يملك شرائها. فخرج الموظفون في شركات قطاع الأعمال رؤساء مجالس إدارات ومحتكرين لذات السلع والخدمات التي كانوا يديرونها باسم الدولة.
وبالتزامن، تراكمت الأرباح بيد الطبقة الحاكمة، التي لم تكتفِ بإتاحة الدولة لها الدخول للسوق بكل الضمانات. بما فيها غياب الرقابة، لتحتكر السوق. بل قررت أن تتزاوج مع الدولة، وأن تدخل حزبها ، وتحاول اختيار رئيسها بنفسها.
أغسطس 2026: تقلص البرجوازية الخاصة وصعود الدولة
في أغسطس 2026، تبدو الطبقة الحاكمة وكأنها تقلصت إلى حد كبير. وأصبحت الدولة تمتلك قدرة هائلة على تخصيص الأرض والائتمان والتراخيص والعقود والاستثمار العام.
وهكذا تحولت الدولة إلى مصدر لإعادة توزيع الفائض الاقتصادي. فهي تختار من يحتكر ماذا، ومتى، وأين. مع المحافظة على وجودها في السوق، دون إخلال بملاحظات صندوق النقد الدولي. الذي ظل حتى فبراير الماضي يؤكد أن خروج الدولة من السوق لا يزال بطيئًا وغير مجدٍ. خاصة بعد أن أصبحت هناك شركات مرتبطة بالقوات المسلحة.
والأهم أن هناك علاقة مباشرة بين السلطة السياسية والقدرة على التحكم في الأرض والمشروعات والموارد والأسواق.
التطور الأبرز جاء في يوليو 2026، حين أُعيد تنظيم «مستقبل مصر» في صورة هيئة اقتصادية أوسع تخضع مباشرة للرئاسة. مع صلاحيات تتعلق بالأراضي والشركات ومناطق التنمية وبعض الصناديق. وتوسع نشاطها ليشمل قطاعات مثل الزراعة والسلع والعقارات والطاقة والبناء. فالدولة تريد الانسحاب لكنها لا تنسحب.
نظريًا، هناك اتجاه رسمي لتقليص ملكية الدولة في القطاعات «غير الاستراتيجية»، وفتح مساحة أكبر أمام رأس المال الخاص. والصندوق يحذر ويؤكد أن تقليص البصمة الاقتصادية للدولة وإتاحة مجال متكافئ للقطاع الخاص يمثلان أحد المحاور الأساسية للإصلاح. لكنه يقول في تقريره لعام 2026 إن تنفيذ برنامج التخارج كان أبطأ من المطلوب. وإنه لم يحدث تخارج مادي كبير خلال آخر 24 شهرًا، بالتزامن مع إنشاء كيانات عسكرية جديدة.
وفي يونيو الماضي، جرى إدراج ثلاث شركات بترولية وشركة سياحية تمهيدًا لطرح حصص منها. بينما أعلنت هيئة الرقابة المالية عن برنامج لتأهيل الشركات الحكومية للطرح، بما يشمل 20 شركة مدرجة مؤقتًا. بجانب شركات أخرى مستهدفة بالطرح. هنا تظهر بوضوح البرجوازية الخاصة المصرية في قطاعات واسعة باعتبارها تابعة سياسيًا للدولة. أكثر مما هي قادرة على إخضاع الدولة بالكامل لمصالحها.
السؤال الآن، أين يتركز رأس المال في مصر؟
تتركز القطاعات المسيطرة على السوق المصرية في: العقارات، والأراضي، والمدن الجديدة، والمقاولات، والبنية التحتية، والسياحة، والخدمات المالية.
والسبب أن جزءًا كبيرًا من عملية التراكم يتم من خلال تحويل الأرض إلى أصل مالي. فالدولة تقوم بتخصيص الأرض، وإنشاء الطرق والمرافق، وتغيير الاستخدامات، وخلق السوق. ثم يدخل رأس المال الخاص ليستثمر في المساحة التي صنعتها الدولة.
الدولة هنا لا تكتفي بتنظيم السوق، بل تصنع السوق وتخلقه. ثم تزيد اعتماد النمو على رأس المال الخاص والاستثمار، بالتزامن مع الضغط على الإنفاق العام، ورفع كفاءة المؤسسات الحكومية، وإعادة هيكلة الدعم، بما يتناسب مع سياسات الصندوق وشروطه، التي تتضمن استمرار برنامج بيع الأصول، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وتقليل الدور المباشر للدولة.
ينقلنا هذا للسؤال الأهم، من يدفع الثمن؟
المتضرر من هذه العملية هو العامل وصاحب الدخل الثابت. فكل محاولة لزيادة معدل تراكم رأس المال في اقتصاد يعاني من محدودية الإنتاجية وتراجع الدخل الحقيقي، تؤدي إلى ضغط مستمر على القيمة الحقيقية لقوة العمل.
وهنا لا تعود الدولة، كما جرت العادة في التحليل التقليدي، مجرد حامية للطبقة الحاكمة وضامنة لاستمرار الصراع الطبقي عبر القمع والهيمنة الثقافية. بل تصبح هي نفسها، أو تصبح أقرب إلى أن تكون، برجوازية، دولة ذات مركز بيروقراطي–عسكري. متحالفة مع شرائح من البرجوازية الخاصة والمالية والعقارية، ومندمجة بدرجات متفاوتة في رأس المال الخليجي والعالمي.
ومن ثم، تصبح الدولة، باعتبارها مركزًا للسلطة الطبقية، معنية بتنظيم شروط إعادة إنتاج الرأسمالية المصرية وحماية عملية تراكم رأس المال. مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلال نسبي عن كل شريحة رأسمالية منفردة.
الطبقة ساحت.. راحت مطرح ما راحت
الطبقة الحاكمة لم تختفِ؛ بل تغير شكلها ومركز ثقلها. فالدولة الآن تقصي رجال الأعمال لمجرد أنهم يرفضون التنازل عن جزء مما يستغلونه ويحتكرونه. وتشكل، من خلال سياساتها، طبقة الحكم في مصر من المتحالفين مع جهاز الدولة، والتابعين له، والراضخين لشروطه. بالتعاون مع رأس المال الخليجي والأجنبي الذي امتلك أصولًا وخدمات وسلعًا عبر اتفاقيات مع الدولة. فالدولة توهم الجميع بأنها تنسحب من السوق إرضاءً للصندوق، الذي تتبعه منذ أوائل التسعينيات، لكنها في الوقت نفسه ترفض تمامًا أن تخرج من السوق.
وهنا يظهر التناقض الأكبر: إلى أي مدى تستطيع هذه الطبقة التابعة أن تتحمل هذا الإذلال والتناقض داخل الطبقة الواحدة؟ وإلى أي مدى تستطيع أن تتنازل عن الدور الذي وهبته لها الرأسمالية الجشعة؟ وأن تخضع للدولة التي كان دورها، في التصور التقليدي، هو القمع وحماية الطبقة الحاكمة، لتصبح الدولة نفسها هي الطبقة؟