لسنوات طويلة تمسكت عواصم الخليج العربي بشعرة معاوية ودبلوماسية الحبل المشدود لتجنب الانزلاق كطرف في الصراع المحتدم بين واشنطن وطهران عارضة نفسها كوسيط مقبول لنزع فتيل أي انفجار إقليمي قد يحرق ممرات الملاحة العالمية وأسواق الطاقة، لكن يبدو أن هذا الخيار المألوف بات اليوم على حافة الهاوية، حيث تتجاوز الفكرة مجرد رصد لاعتداءات عابرة بل ترتبط بتحول دراماتيكي فرضته صدمة الاعتداء الأخير على مطار الكويت وما خلفه من ضحايا ودمار، وتكشف القصة في هذا التقرير عن ملامح الواقعية الخشنة الجديدة التي تحاصر المنطقة حيث لم يعد الصمت الخليجي خيارًا مستدامًا أمام ضربات الميليشيات والحرس الثوري الإيراني، وفي وقت يمنح فيه قرار مجلس الأمن الأخير غطاءً قانونيًا ودوليًا صريحًا لعواصم الخليج للرد والدفاع عن النفس مما يمهد الطريق لسيناريو الحرب الإقليمية الشاملة التي قد تنفجر في أي لحظة إذا ما استمر تسميم العلاقات الدبلوماسية.
تسميم العلاقات والخروج عن الخيار المألوف
في قراءة استراتيجية موسعة للقصة سلط المستشار السابق بوزارة الخارجية السعودية والباحث في العلاقات الدولية سالم اليامي الضوء على مآلات التصعيد الخطير وغير المسبوق الذي تشهده منطقة الخليج جراء الاعتداءات المنسوبة لإيران والتي استهدفت مؤخرًا البحرين والكويت، وقال اليامي إن دول الخليج تبنت منذ اندلاع الأزمة الراهنة خطًا صارمًا بعدم الدخول فيها كطرف بأي شكل من الأشكال وسعت جاهدة لتكون وسيطًا مقبولًا لتقريب وجهات النظر بين الجانبين الأمريكي والإيراني بغية خفض التصعيد ونزع فتيل النزاع لقناعتها التامة بالأخطار التي تحيط بالمنطقة وتؤثر على التجارة الدولية وأسعار الطاقة، وأوضح أن استمرار هذا العدوان الذي أكد أنه منسوب بكل تأكيد للجانب الإيراني بات يتعمد تسميم العلاقات الخليجية الإيرانية مؤكدًا أن هذا المشهد قد يخرج بعض المسارات الخليجية عن خيارها التقليدي والمألوف وهو عدم التصعيد نظرًا لتكرار هذه الاعتداءات، وأضاف أن دول الخليج قد تتفهم بأن من يتخذ قرار التصعيد خاصة من الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له هم فئة متطرفة صغيرة وليسوا السياسيين الذين لديهم اتصالات دبلوماسية لكن في المحصلة النهائية فإن استمرار هذه الاعتداءات لم يعد له مبرر أيًا كان من يأمر بها والمهم الآن هو أن تتوقف فورًا.
غطاء دولي للرد والمادة 51 على الطاولة
وكشف المستشار السابق بالخارجية السعودية عن الأبعاد القانونية والدولية التي باتت تمتلكها عواصم المنطقة مشيرًا إلى القرار رقم 2871 الصادر مؤخرًا عن مجلس الأمن الدولي والذي أدان صراحة كافة الاعتداءات الإيرانية، وأكد اليامي أن هذا القرار منح دول الخليج الحق الكامل في ردع أي اعتداء يمس أمنها استنادًا إلى ميثاق الأمم المتحدة ووفقًا للمادة 51 التي تكفل حق الدفاع الشرعي عن النفس واصفًا التصعيد الحالي بأنه خطير وقاس ولن يمر مرورًا عابرًا إذا ما تكرر بذات العنف، وأشار إلى أن هناك دولًا خليجية كانت تدعو وتخطط بالفعل للرد على هذه التحرشات منذ وقت مبكر إلا أن أطرافًا أخرى فضلت التريث والدبلوماسية مستدركًا بالقول إلى متى يستمر هذا التريث، فإذا استمر العدوان ستفقد هذه الأصوات قدرتها على الكبح وستلقي الأزمة بظلال كثيفة وسوداء على العلاقات الخليجية الإيرانية قد تحتاج لسنوات طويلة لإزالتها.
عدوان مطار الكويت وسيناريو الحرب الإقليمية
وفي قراءته للمنظور الأوسع أوضح اليامي أن الموقف الاستراتيجي الأساسي لدول الخليج يظل هو التهدئة خاصة مع تزايد احتمالات التوصل إلى حلول سياسية مستدركًا بأن الجانب الآخر للمشهد يحمل سيناريو قاتمًا، فإذا تعثرت المسارات الدبلوماسية وعادت العمليات العسكرية للواجهة فمن المتوقع أن تكثف إيران اعتداءاتها على دول الخليج بدلًا من أي مكان آخر، وتابع اليامي قائلًا إن الاعتداءات الإيرانية المتوقعة قد تكون أكثر وحشية تمامًا كما حدث في مطار الكويت الذي شهد سقوط ضحايا ودمارًا كبيرًا وفي حال تكرار هذا النموذج فإن دول الخليج سيكون لها موقف مختلف تمامًا لحماية أمنها، وفي ختام حديثه للقصة حذر المستشار سالم اليامي من أن هذا التحول قد يقود مباشرة إلى نشوب حرب إقليمية شاملة تتسع دائرتها لتشارك فيها أطراف دولية جديدة بسبب الآثار السلبية الكارثية التي ستتمدد لتغطي الإقليم وتصل إلى قارات أخرى مؤكدًا أن هذا السيناريو بات احتمالية قائمة وجدية في القراءة الأوسع للمشهد الجيوسياسي للمنطقة.