بين أنين الجوع وصدى الرصاص، يعيش آلاف السودانيين في مناطق سيطرة الدعم السريع كابوسًا يوميًا عنوانه الخوف وانعدام الأمان، ورغم الوعود المتكررة من قادة الميليشيا بحماية المدنيين، فإن الواقع يرسم صورة أكثر قسوة؛ إذ تحولت هذه المناطق إلى ساحات انتهاك ممنهج، يعاني فيها المواطن السوداني من الجوع، والنهب، والقتل، وانعدام الخدمات الأساسية.
من داخل إحدى المدن المنكوبة في غرب السودان، تحدثت مواطنة سودانية لموقع القصة – رفضت ذكر اسمها واختارت لنفسها اسمًا رمزيًا هو “زهرة الأمل” – عن تفاصيل مرعبة من حياتهم اليومية تحت سيطرة ميليشيا الدعم السريع، قائلة:
“نعيش الخوف في كل لحظة… الخروج من البيت بحثًا عن الطعام أصبح مغامرة قد تنتهي بالموت، عناصر الدعم السريع يهاجموننا أثناء السير، يأخذون ما نملكه، وإن رفض أحدهم، يضربونه أو يطلقون النار عليه دون رحمة.”
تضيف “زهرة الأمل” بصوت متهدج يغلب عليه الحزن: “إذا وجد أحدنا قليلًا من الطعام أو الماء، يأتون ويأخذونه بالقوة، حتى الأطفال لم يسلموا من الخطر، رأيت بأم عيني أبًا يُقتل أمام أطفاله لأنه رفض تسليم كيس دقيق صغير.”
انتهاكات في وضح النهار
تؤكد شاهدة العيان أن الميليشيا لم تعد تكتفي بالسطو والنهب، بل تجاوزت ذلك إلى انتهاكات أعمق تمس كرامة الإنسان، مضيفة: “صاروا يقتحمون المنازل في وضح النهار، يسرقون كل شيء أمامنا، وأحيانًا يعتدون على النساء، لا أحد يجرؤ على الاعتراض، لأن مصيره سيكون الموت الفوري بتهمة أنه “أبو لَدَه”، أي مؤيد للجيش.”
وتشير إلى أن تلك الانتهاكات تُمارس بعلم قادة الميليشيا، دون أي محاسبة أو ردع، ما جعل السكان يعيشون في رعب دائم، يبيتون على الخوف ويستيقظون عليه.
الجوع والمرض.. معركة البقاء اليومية
لم تتوقف معاناة السودانيين عند الخوف والنهب، بل امتدت إلى الجوع والمرض، حيث يواجه المواطنون انعدامًا شبه تام في الغذاء والدواء “الأوضاع صعبة جدًا”، تقول “زهرة الأمل”: “لا طعام، لا ماء، لا دواء، المستشفيات التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع تحولت إلى أسواق يبيعون فيها العلاج بأسعار خيالية، الدواء الذي كان يُعطى مجانًا أصبح سلعة يتاجرون بها، بينما الناس تموت أمام الأبواب”.
وتردف: “من يحاول الهرب من المدينة مع أطفاله يُقتل على الطريق، يقولون إنه موالٍ للجيش. حتى الأطفال لا تُشفع لهم براءتهم”.
صراع دموي وانهيار شامل
اندلعت الحرب السودانية في 15 من أبريل عام 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وميليشيا الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، هذا النزاع الذي بدأ بصراع على السلطة، تحول سريعاً إلى حرب أهلية طاحنة أحرقت الأخضر واليابس، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في إفريقيا.
فقد نزح الملايين من المدنيين إلى دول الجوار، بينما يعيش آخرون في الداخل محاصرين بين نيران الطرفين، وسط انهيار شبه كامل للبنية التحتية وتدهور الخدمات من صحة وتعليم وغذاء، وانعدام الأمن في معظم أنحاء البلاد.
اتهامات بتدخل خارجي
تقول “زهرة الأمل”: بوضوح كل العالم يعرف أن الإمارات تدعم ميليشيا الدعم السريع بالسلاح والمال لو توقف هذا الدعم، لانتهت المأساة سريعًا، نحن لا نطلب سوى وقف الحرب وعودة الأمان.”
ويطالب حقوقيون ومراقبون دوليون بضرورة وقف أي دعم خارجي للميليشيات المسلحة في السودان، باعتباره انتهاكًا للقانون الدولي ومصدرًا رئيسيًا لاستمرار معاناة المدنيين.
صبر وأمل رغم الألم
ورغم كل هذا الألم، تبقى روح الصبر والتوكل على الله حاضرة في حديث الشاهدة، التي ختمت روايتها بعبارات تعكس قوة الإيمان وسط الركام: “نحن صابرون، واثقون أن الله سينصر المظلوم، مهما طال الليل، سيأتي الفجر… وسينهض السودان من جديد”.