خرجت تصريحات الجانب الإثيوبي فيما يتعلق بنهر النيل عن وزير المياه. وجاء الرد المصري الخاص ببناء المزيد من السدود على النيل على لسان “مصدر مسؤول”. وهذه ليست المرة الأولى التي تخرج التصريحات المصرية عن مصدر خفي. لا نعلمه نحن ولا يعلمه من نرد عليه. ما يطرح تساؤلات حول شخصية المصادر المسئولة المصرية. ولماذا لا تظهر هذه المصادر لنا وللعالم وتكشف عن وجهها.
أسلوب رسمي شائع
قال سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إن استخدام تعبير “المصدر المسئول” أو “مصدر حكومي رفيع” يُعد أسلوبًا رسميًا وإعلاميًا شائعًا في مصر، وفي دول أخرى أيضًا. وليس أسلوبًا جديدًا. موضحًا أن اللجوء إليه يكون بهدف الحفاظ على السرية أو تجنب المساءلة الشخصية، وفي الوقت نفسه تمرير المعلومة الرسمية.
وأضاف صادق، في تصريحات خاصة، أن عدم إعلان اسم المصدر يرتبط في كثير من المؤسسات الحكومية والأمنية والسيادية بوجود تعليمات بعدم الظهور بالاسم في وسائل الإعلام إلا بإذن أو في حالات محددة. موضحًا أن الحديث باسم المؤسسة أو تحت وصف “مصدر مسؤول” يجعل التصريح رسميًا من دون ربطه بشخص معين.
وأكد صادق أن التصريحات الحساسة، سواء كانت سياسية أو أمنية أو اقتصادية، أو التي تتضمن أرقامًا أو قرارات، قد تعرض الشخص الذي يدلي بها للمساءلة الداخلية أو الهجوم الإعلامي أو القانوني. ولذلك فإن إخفاء الاسم يوفر له الحماية. لافتًا إلى أن الإعلام الرسمي وشبه الرسمي في مصر يعتمد بصورة كبيرة على “المصادر المسئولة” لنقل الموقف الرسمي، دون الحاجة إلى انتظار بيان رسمي موقع. وهو ما يسمح بخروج المعلومة بسرعة، لكن من دون شفافية كاملة بشأن الشخص الذي أدلى بها.
وأوضح أستاذ علم الاجتماع السياسي أن هناك عدة أسباب أمنية أو سيادية لعدم الكشف عن هوية المصدر. خاصة في الملفات المتعلقة بالأمن القومي أو العلاقات الخارجية أو التحقيقات. إذ إن الكشف عن هويته قد يضر بالعمل أو يكشف طرق عمل الجهاز.
وتابع صادق أن وصف الشخص بأنه “مصدر مسئول” يأتي لأنه يمثل جهة رسمية. سواء كانت وزارة أو جهازًا أو محافظة أو رئاسة. وليس لأنه يعبر عن رأيه الشخصي. وبالتالي فإن التصريح يُحسب على المؤسسة وليس على الشخص. موضحًا أن ذلك يمنح المعلومة وزنًا. “وفي الوقت نفسه يتيح للمؤسسة إمكانية إنكارها أو تعديلها أو توضيحها لاحقًا إذا حدثت مشكلة. دون أن يكون هناك اسم شخص محدد مرتبط بالتصريح بشكل مباشر”، بحسب رؤيته.
وأشار صادق إلى أن هذه الممارسة ليست خاصة بمصر، وإنما موجودة في دول كثيرة، بما فيها دول ديمقراطية. خاصة عندما يتعلق الأمر بموضوعات حساسة. مشيرًا إلى أن الفارق يتمثل في أن الأنظمة التي تتمتع بدرجة أعلى من الشفافية يكون فيها قدر أكبر من المحاسبة على استخدام المصادر المجهولة.
واختتم سعيد صادق تصريحاته، قائلًا إن استخدام “المصادر المسئولة” في مصر أصبح شائعًا بدرجة كبيرة، حتى بات جزءًا من لغة التصريحات الرسمية.
أسباب عديدة
من جانبه، قال أحمد بهاء شعبان، رئيس الحزب الاشتراكي المصري، إن لجوء الأجهزة والدولة إلى استخدام “مصدر مسؤول” دون الكشف عن هويته يرجع إلى أسباب عديدة. موضحًا أن هناك جهات تلجأ إلى إخفاء المصدر، واستعارة مسمى “مصدر مسئول” لأنها لا تملك الشجاعة للإفصاح عن اسمه، أو أن يكون هو قادرًا على تحمل مسؤولية الحديث باسمه في القضايا الموكول إليه أمرها.
وأضاف شعبان، في تصريحات خاصة، أن هذا الأسلوب ليس جديدًا، وإنما يُقصد منه التنصل من المسؤولية وإحالتها إلى جهة مجهولة. مشيرًا إلى أنه عند تقييم ما صرح به المصدر المسؤول أو محاسبته على ما قاله، سواء كان الكلام صحيحًا أو مختلقًا، نجد أنفسنا أمام شخص مجهول وغامض، لا يمكن تحديد ملامحه أو اسمه أو الجهة التي ينتمي إليها. وبالتالي يمكن التنصل من كل ما يقوله وإحالته إلى جهة غامضة يصعب الحصول على معلومات عنها أو بياناتها أو معرفة مسؤوليتها.
وأضاف رئيس الحزب الاشتراكي المصري أنه يعتقد أن هذا الأمر لا يوجد إلا في الدول التي تحتقر شعوبها. ولا تقيم اعتبارًا للرأي العام. ولا تملك الشجاعة لتحمل مسؤولية أعمالها. وبالتالي تحيلها إلى جهة مجهولة الهوية وغامضة المصدر. لا يمكن التثبت من أي كلام قالته في أي وقت.