بينما تنشغل الصالونات السياسية في بيروت بالحديث عن لقاء مرتقب بين الرئيس اللبناني جوزيف عون و بنيامين نتنياهو، تمارس آلة الحرب الإسرائيلية “هندسة جغرافية” صامتة ومرعبة على الأرض.
لم يعد الهدف مجرد ملاحقة سلاح هنا أو هناك، بل تحويل 20% من مساحة لبنان إلى “أرض محروقة” وخالية من السكان، فهل نحن أمام تنفيذ فعلي لمخطط “إسرائيل الكبرى” وسط صمت رسمي مريب؟
سياسة “تطهير المكان”.. ما وراء نهر الليطاني
يرى الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية، أن التصعيد الإسرائيلي الحالي في جنوب لبنان تجاوز فكرة “الاحتلال المؤقت”، ويؤكد نافعة لـ”القصة” أن تدمير القرى ومنع السكان من العودة يهدف إلى تحويل المنطقة الممتدة من شمال الليطاني حتى الحدود الجنوبية والتي يقطنها ربع سكان لبنان إلى “منطقة عازلة” قد يتم ضمها لاحقاً للكيان.
ويصف نافعة الموقف الرسمي اللبناني بـ “الانبطاح”، حيث تندفع الحكومة نحو مفاوضات مباشرة دون ضمانات بوقف إطلاق النار أو انسحاب الكيان، مما يثير تساؤلات حول الثمن الذي تدفعه الدولة اللبنانية في ظل موازين قوى مختلة.
نتنياهو و المأزق الشخصي.. الحرب كطوق نجاة
يقول نافعة أن سلوك نتنياهو باعتباره انعكاساً لـ “مأزق شخصي” عميق، وليس مهارة استراتيجية، نتنياهو يراهن على استمرار الحرائق على كافة الجبهات غزة، لبنان، وإيران لضمان بقائه السياسي، فهو يسعى لإقناع حليفه ترامب بأن الانتصار الحاسم متاح عبر “تفكيك” المحور بالكامل، بدءاً من نزع سلاح حماس وحزب الله، وصولاً إلى شل قدرات إيران الصاروخية والنووية.
ومع ذلك، يؤكد نافعة أن هذه الطموحات “خيالية”، فالميدان يثبت أن حماس لا تزال تحكم الأنقاض، وحزب الله استثمر 15 شهراً من “الكمون” لإعادة بناء مؤسساته وقدراته القتالية، وهو ما ظهر بوضوح في قدرته على الصمود رغم النكسات المتتالية.
فخ “المفاوضات المباشرة” ونزاع السيادة
و ينتقد نافعة التوجه اللبناني نحو المفاوضات المباشرة، معتبراً إياها “انقساماً يضعف الموقف الوطني”، ويرى أن الدولة اللبنانية، ممثلة في الرئاسة والحكومة، تتعامل مع حزب الله كـ “طرف مهزوم” وتضغط لنزع سلاحه قبل استكمال بناء قدرات الجيش اللبناني وقبل انسحاب إسرائيل، وهو ما يخدم الرؤية الصهيونية الساعية لترتيبات أمنية تضمن تبعية لبنان الأمنية والسياسية.
إيران وحزب الله.. هل سقطت تهمة “التبعية”؟
ويشير نافعه إلى نقطة جوهرية، وهي التزام حزب الله بوقف إطلاق النار لمدة 15 شهراً، حتى خلال “الحرب الأولى على إيران” في يونيو 2025 هذا الالتزام، ينفي تهمة تقديم مصلحة طهران على بيروت لكن استئناف الحزب للقتال مع “الحرب الثانية” واغتيال المرشد الأعلى في فبراير 2026، كان استغلالاً للحظة لاستعادة دوره الطبيعي في مقاومة الاحتلال، وليس مجرد تنفيذ لأوامر خارجية.
استعراض قوة في نظام دولي مختل
ويختتم حسن نافعة رؤيته لـ “القصة” بالتأكيد على أن التحالف العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة يعكس خللاً قانونياً وأخلاقياً في النظام الدولي، و إن “طوفان الأقصى” وما تبعه من إغلاق إيران لمضيق هرمز كشف حدود القوة العسكرية والتكنولوجية أمام “الجغرافيا السياسية”.
مؤكداً أن نتنياهو يحاول الهروب من مأزقه عبر استعراض القوة، لكن المفاجآت التي قد تسفر عنها جولة الصراع المستمرة منذ عامين ونصف قد تغير مفاهيم القوة والسيادة في المنطقة إلى الأبد.