مبدئيًا، الاتفاقية البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا من شأنها، حال تنفيذها، المساس بالمناطق الاقتصادية الخالصة لمصر، حيث تعتبر القاهرة أن أجزاءً من القطاعات البحرية التي تشملها الاتفاقية التركية الليبية تدخل ضمن الامتداد الطبيعي لمنطقتها الاقتصادية الخالصة. وهذا التداخل يهدد حقوق مصر السيادية في التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي واستكشافهما في المناطق الواعدة بشرق المتوسط.
كما أن الهدف الآخر هو الضغط على التحالف المصري اليوناني، حيث ترتبط مصر باتفاقية استراتيجية لترسيم الحدود البحرية مع اليونان، وُقعت في أغسطس 2020. وتتجاهل الاتفاقية التركية الليبية تمامًا الجزر اليونانية، مثل جزيرة كريت، وتخلق خطًا بحريًا يقطع الممر المائي بين مصر واليونان، مما يضعف الجبهة الاقتصادية والأمنية المشتركة بين القاهرة وأثينا.
فضلًا عن ذلك، هناك التهديد الأمني والعسكري في شرق المتوسط وعلى الحدود الغربية، حيث إن الاتفاقية البحرية الموقعة عام 2019 مع فايز السراج ترتبط بشكل وثيق بمذكرة تعاون أمني وعسكري تتيح لتركيا توسيع حضورها العسكري في ليبيا. وإضفاء الشرعية البرلمانية على هذه الاتفاقيات يمنح أنقرة غطاءً قانونيًا طويل الأمد لتثبيت أقدامها عسكريًا وبحريًا بالقرب من الحدود الغربية لمصر، وهو ما يمثل خطًا أحمر دائمًا للأمن القومي المصري.
هذا بالإضافة إلى التأثير على خطط مصر للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة. فمصر تسعى إلى ترسيخ مكانتها مركزًا إقليميًا لتسييل الغاز وتصديره في شرق المتوسط من خلال منتدى غاز شرق المتوسط، لكن تثبيت الاتفاقية التركية الليبية يمنح أنقرة القدرة على عرقلة مسارات أنابيب الغاز المستقبلية المتجهة إلى أوروبا عبر المياه التي تدعي السيطرة عليها، مما يربك الحسابات الاقتصادية المصرية في ملف الطاقة.
إذن، لا يمكن التعامل مع الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا بمعزل عن خلفياتها السياسية لدى تركيا ومصر، وفي القلب منهما ليبيا بشقيها، كما لا يمكن حصر تداعياتها في الجانب الاقتصادي فقط، فهذه التداعيات كان يمكن احتواؤها باحترام حقوق الجميع، والالتزام بالقوانين الدولية المنظمة للعلاقات البحرية، واحترام حق الجوار من جانب الفصائل الليبية تجاه جيرانها التاريخيين. لكن الأمر تجاوز كل ذلك إلى فرض أمر واقع.
الوطن الأزرق.. الحلم العثماني
وللوقوف على النتائج، لا بد من معرفة المقدمات والخلفيات. فلدى تركيا، في عهد أردوغان، حلم عثماني أُطلق عليه اسم «الوطن الأزرق»، وهو مفهوم طرحه لأول مرة عام 2006 الأدميرال المتقاعد جيم جوردنيز، واعتبر فيه أن المجالات البحرية المحيطة بتركيا في البحر الأسود وبحر إيجه وشرق البحر الأبيض المتوسط تمثل امتدادًا طبيعيًا وسياديًا لأراضيها، لا يمكن التفريط فيه.
وسرعان ما تحول هذا المفهوم إلى عقيدة واستراتيجية بحرية وعسكرية وسياسية تبنتها تركيا في عهد أردوغان عام 2019، باعتبارها وسيلة لتصدير مشكلاتها السياسية والاقتصادية إلى الخارج، بعد الأزمات التي شهدتها البلاد منذ توليه رئاسة الوزراء عام 2003، ثم رئاسة الجمهورية لاحقًا وحتى الآن.
استخدم أردوغان هذه العقيدة البحرية ورقة ضغط على الاتحاد الأوروبي للموافقة على انضمام تركيا إليه، ومصدرًا للدخل الاقتصادي عبر الضغط على اليونان وقبرص، التي تحتل تركيا جزءًا من أراضيها، ومدخلًا إلى ثروات شرق المتوسط الواعدة. وهنا اصطدم بالاتحاد الأوروبي بسبب ما اعتبرته اليونان وقبرص اعتداءً على حقوقهما السيادية.
وتوسعت التحركات العسكرية التركية حتى اصطدمت بالحقوق السيادية المصرية في المتوسط. وفي فبراير 2019، أجرت تركيا مناورة عسكرية ضخمة في شرق المتوسط حملت اسم «الوطن الأزرق»، في إشارة إلى الحلم البحري التركي، وواجهت هذه التحركات اعتراضات دولية وعربية استندت إلى القانون الدولي، الذي لا يمنح تركيا حقوقًا خارج مناطق سيادتها وحدودها البحرية على حساب حقوق الآخرين.
صناعة المبرر في ليبيا
كان المشروع التوسعي التركي يحتاج إلى مبرر للوجود في شرق المتوسط، خاصة أن الخلافات مع قبرص واليونان لم تُحسم. وفي ذلك التوقيت، كانت ليبيا تعيش صراعًا بين حكومة في الغرب برئاسة فايز السراج، المعترف بها دوليًا والمدعومة سياسيًا من قوى ذات توجه إسلامي، والتي كانت تحميها ميليشيات تحمل التوجه نفسه، دون وجود جيش ليبي محترف وموحد.
وفي مواجهة حكومة الوفاق، كانت هناك قوة مسلحة في الشرق تطلق على نفسها اسم «الجيش الوطني الليبي»، تشكلت على يد اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بغطاء سياسي من البرلمان الليبي بقيادة عقيلة صالح، وكانت ترفع شعار تكوين جيش ليبي لاستعادة البلاد من براثن الإرهاب وإعادة الاستقرار، وحصلت على مساعدات من دول ترفض الإرهاب وترغب في استقرار ليبيا.
واشتدت المناوشات اللفظية والتصريحات بين الشرق والغرب، حتى دفع خليفة حفتر قواته إلى دخول طرابلس بالقوة في أبريل 2019، فيما أُطلق عليه «الفتح المبين»، بتمويل من بعض الدول (ليس من بينها مصر). وبمجرد وصول قواته إلى محيط طرابلس، فشلت حملته العسكرية، لكنه كان قد وفر بذلك المبرر لحكومة فايز السراج للاستعانة بتركيا.
وطلب السراج الدعم التركي لحمايته من قوات حفتر، وفي المقابل، طلبت تركيا توقيع اتفاقية اقتصادية وبحرية معها لتحقيق أطماعها في شرق المتوسط. ولأن الاتفاقية لا يمكن أن تسري، وفق الموقف الرافض لها، إلا بموافقة البرلمان الليبي برئاسة عقيلة صالح، فقد رفضها الأخير تمامًا، لكونها موقعة مع سلطة مؤقتة وليست دائمة، ولأنها تستدعي تدخلًا عسكريًا أجنبيًا في الأراضي الليبية.
ضغوط وابتزاز للاعتراف
في خضم هذه الأحداث، كان الموقف المصري يتنازعه طرفا الصراع الليبي، وكان الاعتراف بأحدهما دون الآخر يعرض القاهرة لاتهامات بالانحياز، وهي اتهامات جاهزة للاستخدام أو الابتزاز. لكن الموقف المصري، حسب متابعتي، كان يرى في قوات حفتر نواة لتشكيل جيش وطني محترف، ينقصه أن يكون جيشًا لليبيا كلها عبر الطرق الشرعية، وبعد انتخاب رئيس وحكومة موحدة في ليبيا.
وكانت القاهرة تطالب بسرعة إجراء الانتخابات لتولي سلطة ليبية بإرادة الشعب الليبي. وحين تدخلت قوات أجنبية في الأراضي الليبية، من قوات تركية ومرتزقة أجانب وميليشيات مدعومة من أنقرة، تمثل الموقف المصري في المطالبة بوقف إطلاق النار بين الطرفين، خاصة أن الصراع يهدد استقرار مصر وعمقها الاستراتيجي.
وفي المقابل، استضافت مصر 80% من جلسات الحلول السياسية السلمية بين الطرفين الليبيين، فضلًا عن رعايتها معظم المسارات الدولية الداعية إلى الحل السلمي وإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة الذين استدعتهم حكومة السراج.
وفي أثناء ذلك، وقعت مصر اتفاقية بحرية مع اليونان في أغسطس 2020، لحفظ حقوقها البحرية ومصالحها في شرق المتوسط، في إطار ترسيم الحدود البحرية بين البلدين.
وفي عام 2022، قامت مصر بترسيم حدودها البحرية الغربية من جانب واحد، لقطع الطريق قانونيًا على هذا التداخل التركي الليبي في مناطق سيادتها.
الدبيبة وحفتر.. صراع معلن وترتيبات سرية
ظلت الأمور على حالها مع وصول حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في عام 2021، بتنصيب دولي أيضًا. لكن مصر سعت إلى التقريب بينها وبين قوات حفتر، حتى تصل ليبيا إلى الانتخابات، ومن ثم الاستقرار وإخراج الأطراف الأجنبية ذات الأطماع العسكرية والاقتصادية في المنطقة.
غير أن محاولات التقريب المصرية بين الطرفين المتنازعين استغلتها القوى الدولية وأدواتها في ليبيا لخلق حالة من التناغم السري بينهما، مع الحفاظ على صورة الصراع ظاهريًا، حتى يتمكن الطرفان من السيطرة على ليبيا دون انتخابات، وإطالة المراحل المؤقتة وتأجيل الحل الدائم المتمثل في الانتخابات.
وفي أثناء ذلك، حرص حفتر، الذي كان يروج باستمرار لمساندة مصر له، على الحفاظ على هذه الصورة علنًا، وبالتوازي، قام بتصعيد نجله صدام حفتر للتواصل مع مختلف الأطراف، متجاوزًا المحاذير المصرية للضغط على القاهرة من أجل الاعتراف به سريعًا ودعمه في الوصول إلى رئاسة ليبيا عبر صفقات وتفاهمات، من بينها المبادرة الأمريكية التي طرحها مسعد بولس، وليس عبر انتخابات حرة.
وهذه خطوة يفتقد صدام حفتر، ومعه حكومة الدبيبة، مقوماتها الشعبية، نظرًا لعدم وجود شعبية ليبية كافية للطرفين، فضلًا عن أن مفهوم الصفقات مرفوض لدى القاهرة، ولا يتفق مع عقيدتها الدبلوماسية أو العسكرية.
مصر وتركيا.. أهداف متباينة
وفي ظل هذا المشهد المأزوم والمصطنع سياسيًا، كانت مصر وتركيا تتواصلان مع الطرفين، ولكل منهما هدفه. فتركيا تسعى إلى تفعيل مصالحها الاقتصادية والاستفادة من الاتفاقية البحرية بأي صيغة توافقية، ولو ظاهرية، بين حفتر والدبيبة، حتى إن كان ذلك عبر صفقة بولس.
أما القاهرة، فكانت تواصل اتصالاتها مع جميع الأطراف الليبية للوصول إلى حل شامل ودائم عبر الانتخابات، يتيح لمصر الاستفادة الاقتصادية أيضًا، ولكن في ظل دولة مستقرة.
وفي سياق هذه المسارات والاتصالات، علقت تركيا موافقتها على الطرح الأمريكي باتخاذ خطوة في اتجاه الاستفادة الاقتصادية في شرق المتوسط. وفي يونيو 2025، وقعت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مع شركة «تباو» التركية اتفاقًا يقضي بتفعيل الاتفاقيات والشراكات بين المؤسسة الوطنية للنفط الليبية وشركة البترول التركية، من خلال إجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية في مناطق بحرية، وتنفيذ أنشطة استكشاف في شرق البحر المتوسط، دون مراعاة مصالح الدول الأخرى، وفي مقدمتها مصر واليونان وقبرص، ودون احترام للحدود البحرية الدولية التي لم يُحسم النزاع بشأنها حتى الآن. وهو الأمر الذي رفضته القاهرة، ورفعت اعتراضاتها إلى الأمم المتحدة في الشهر نفسه.
حفتر والسلطة بأي شكل وإقالة صالح
وفي أثناء ذلك، استمر الضغط السياسي على القاهرة للموافقة على صفقة بولس، بما يسمح لعائلتي حفتر والدبيبة بالاستمرار في حكم ليبيا خلال مرحلة انتقالية جديدة. وتدرك القاهرة، بحكم خبرتها ومتابعتها للأزمة الليبية، أن هذه المرحلة قد لا تفضي إلى انتخابات حرة ودائمة، لذا تمسكت بخيار الانتخابات.
كان الضغط على مصر يأتي من الأصدقاء والخصوم، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، بينما استمرت مصر في التمسك بموقفها. وفي المقابل، ظل حفتر الأب يردد أنه لن يتخذ خطوات تضر بالمصالح المصرية، بينما اعتبر حفتر الابن أن مصر تتخلى عنه، فاتجه إلى استدعاء تركيا لدعمه في تحقيق حلمها بشرق المتوسط.
لكن كانت هناك عقبة تتمثل في قرار برلماني سابق برفض الاتفاقية البحرية التركية الليبية، فما كان منه، وفقًا لهذه القراءة، إلا العمل على إزاحة عقيلة صالح، صاحب هذا الموقف، وتنصيب الصالحين عبد النبي، المقرب من تركيا، مكانه، تمهيدًا لإلغاء الرفض السابق والتوقيع بالموافقة على الاتفاقية الليبية التركية، بكل ما يترتب عليها من تداعيات سبق توضيحها في صدر هذا المقال.