أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

زيارة السادات إلى القدس.. 48 عامًا من العواصف

 

ليست كل الزيارات سواء. فبعضها يمرّ كخبر، وبعضها تُغيّر خرائط الوعي قبل أن تغيّر خرائط السياسة. ويعيد تشكيل الجغرافيا والرمز والتاريخ.

عندما هبطت طائرة الرئيس أنور السادات في مطار اللد، لم يكن الأمر مجرد خطوة دبلوماسية، بل كان علامة انكسار رمزي واستراتيجي معًا، خرجت فيها مصر ـ لأول مرة منذ قرون ـ من موقع القلب إلى صقيع الهامش.

أخبار ذات صلة

332
لم ينجح أحد.. حكم من "الإدارية العليا" يبطل انتخابات النواب في قنا وسوهاج
الإدارية العليا
"الإدارية العليا" تلغي نتائج دوائر انتخابية أكثر من "الوطنية للانتخابات".. كم عددها؟
images (2) (12)
الإدارية العليا تقرر إلغاء نتيجة الانتخابات في دائرة بأسيوط.. تعرف عليها

ومنذ تلك اللحظة، انتقلت الأمة من زمن كان التحرير فيه مشروعًا إلى زمن صار التفاوض فيه قدرًا، ومن منطق قوّة الحقّ وسلامٍ يقوم على العدل، إلى منطقٍ جرى فيه التفريط في كلّ الحقوق بلا مقابل، تحت الشعار الإسرائيلي “السلام مقابل لا شيء”.

واليوم، ونحن نعود إلى تلك الزيارة بعد ما يقارب نصف قرن، فإننا لا نستعيدها كصفحة مطوية في دفتر التاريخ، بل كعتبة لتحوّلٍ طويل امتدّ أثره في خرائط العرب ووعيهم؛ تحوّلٍ بدأ من بيروت يوم طُوِّقت للمرة الأولى، ومرّ ببغداد حين جرى تفكيك إحدى قلاع المشرق، ثم انساح على كامل المشرق من سوريا إلى لبنان حيث فُتحت أبواب الاستباحة، قبل أن يستقرّ بثقله في الضفة وغزة حيث تُستكمل الفاتورة الثقيلة. ومن وهم “القدس في الجيب” كما تخيّلها السادات، إلى القدس تحت التهويد كما يفجعنا الواقع كل يوم، تتكشف المسافة بين ما رُفع من شعارات وما انتهت إليه على الأرض.

حين وطئت قدما السادات أرض القدس المحتلّة، انفتح في الجدار العربي شرخٌ لم يلتئم حتى اليوم. لم يكن الحدث مجرد خروج على السياق، بل زلزالًا ضرب بنيان الأمة من المحيط إلى الخليج، وأطلق عاصفة لم تتوقف عند مصر وحدها، بل امتدت لتقبض على المصير العربي كله وتفتح الطريق أمام زمنٍ جديد من الاستباحة والتفكّك. ومن هناك بدأ التحوّل الأخير حيث تحوّلت القضية الفلسطينية من بوصلة إلى عبء على أنظمة مرهَقة، ومن مركز الوجدان العربي إلى هامشه، ومن قضية أمّة إلى ورقةٍ على مائدة التفاوض.

السادات الذي ذهب إلى القدس مُحمّلًا بأوهامٍ أراد لها أن تتحوّل إلى حقائق، عاد منها يروّج أوهامًا أكبر منها.

بعد الزيارة، استدعى الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين، وعلى شفتيه ابتسامة عريضة، وسأله بسخرية مفتعلة: “ما الذي تنوي أن تفعل الآن” وحين استوضح بهاء عن المقصود، أجابه السادات بيقين العارف: “لقد عشتم طويلًا على الكتابة عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والآن أصبحتم بلا عمل”، ثم راح يرسم خريطة سلامه كما يتخيلها: سيناء؟ “انتهت” ،الضفة؟ “مضمونة” ، القدس؟ “في جيبي”.

خرج أحمد بهاء الدين من اللقاء مذهولًا، كأنما شهد لحظةً يفكر فيها رئيس دولةٍ كبرى خارج دفاتر السياسة، ويرى في نفسه مخلّصًا من عبء التاريخ.

لكن التاريخ، كما نعلم، لا تكتبه الأوهام. بين أوهام السادات وواقع الأمة، امتدت عقود من العواصف: بيروت اجتاحتها إسرائيل بعد أقل من خمس سنوات، والمفاعل النووي العراقي دُمّر في ذروة ما سُمّي بـ”البحث عن السلام”، وغابت مصر عن المشهد الذي كانت يومًا قلبه.

تمددت إسرائيل، وحوصرت غزة، واستُبيحت الضفة، وتحولت القضية الفلسطينية من مركز إلى هامش، ومن حقّ إلى “صفقة”. واليوم، في زمن الإبادة العلنية، نرى القدس لا في الجيب، بل تحت التهويد والضم. وبين “القدس في جيبي” وواقعها الراهن، تتكشف مسافة تختصر قصة الشرق الأوسط كله: من وهم الخلاص الفردي إلى مأساة الغياب الجماعي.

من القدس إلى غزة، ومن “آخر الحروب” إلى حروبٍ لا تنتهي، امتدّ المسار الذي بدأه السادات كأنه فتح بوابةً للعواصف. أعلن أن أكتوبر هو آخر الحروب، ثم وضع ما أسماه “كل أوراق اللعبة” في يد واشنطن، التي بدورها سلّمتها لإسرائيل، ليبدأ عصرٌ جديد: عصر تدمير الهوية، واستعمار الإرادة، واحتلال الأرض.

هذه النتيجة حاول السادات أن يصوّرها لأحمد بهاء الدين عقب عودته من القدس، وكأنها أمورٌ محلولة وفي الجيب. لكن الجيب الذي قيل إن فيه القدس لم يكن سوى وهمٍ سياسي سريع الانقلاب إلى واقع من الدم والخذلان.

ما بين يقين السادات وواقع الأمة مسافة من الخسارات: من حلم التحرير إلى هندسة التصفية. لم تكن الزيارة نهاية الصراع، بل بداية هندسة جديدة له، تُدار من واشنطن وتُنفّذ في تل أبيب، وتُبارك في صمتٍ عربي طويل.

لم تكن زيارة السادات إلى القدس مجرد خروج على الإجماع العربي، بل كانت انتقالًا من تاريخ الصراع إلى جغرافيا مستباحة، ومن الحلم القومي إلى أقطار ودويلات متصارعة، في إعادة مؤسفة لمشهد ما قبل سقوط دول الطوائف وحكامها.

منذ تلك اللحظة البائسة، دخل العرب زمنًا جديدًا: زمن التفكك بدل التكتل، وزمن البحث عن موقع تحت الحماية الإسرائيلية بدل المصير المشترك.

مصر، التي كانت يومًا قلب العروبة النابض، وجدت نفسها بعد الزيارة في موقع المراقب بدل القائد، وفي موقع الوسيط بدل الشريك. تحوّلت من مركز لصياغة القرار العربي إلى هامش يُستدعى عند الحاجة، وغابت عن معارك الأمة الكبرى، أو غُيّبت

الزيارة التي قيل إنها فتحت باب السلام، فتحت في الواقع أبوابًا أخرى: باب التطبيع بلا مقابل، وباب التنازلات المتتالية، وباب تصفية القضية الفلسطينية على مراحل. وما نراه اليوم من استباحة غزة ومحاولات تصفية الهوية الفلسطينية، ليس إلا امتدادًا لمسار بدأ حين فُتحت أبواب القدس لرئيس عربي سلّم “كل أوراق اللعبة” إلى واشنطن، فعاد منها بلا ورقة واحدة.

دفعت الأمة ثمن تلك الزيارة من رصيدها الرمزي والسياسي، ودفعته مصر من مكانتها ودورها، ودفعه الفلسطينيون من دمهم وأرضهم.

لم تكن زيارة السادات إلى القدس نهاية الصراع كما توهم، بل بداية مسارٍ جديد من التآكل الرمزي والسياسي. مسار بدأ بوهم “كل أوراق اللعبة” وانتهى إلى واقع بلا أوراق ولا لعبة، حيث ضاعت فلسطين، وتراجعت مصر، وتفككت العروبة، وتحول الحلم إلى خرائط تصفية. لم تكن القدس وحدها الخاسرة، بل الحقوق الفلسطينية والعربية جمعاء، التي استُبدلت بالصفقات السياسية والتنازلات المتتالية، وتحولت القضايا المركزية للأمة إلى هامش التفاوض.

ما لم يدركه السادات، وما لم تحسمه واشنطن، أن القدس ليست بندًا في مفاوضات، ولا فلسطين مجرد ورقة على طاولة رئيس، بل هي قلب المعنى ومفتاح الوعي وبوصلة التاريخ، والحقوق العربية لا تُنتزع بالابتسامات ولا تُسلم بصفقات وهمية. وكل ما جرى منذ تلك الزيارة لم يكن سوى محاولة فاشلة لإخراج فلسطين والقدس من الذاكرة، لكنها بقيت، تنبض تحت الركام، وتكتب بدمها ما عجزت عنه البيانات: أن الحق لا يُوقّع عليه، وأن الأمة، وإن طالت غيبتها، فرجعتها محتومة.

 

 

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

الإدارية العليا تقرر إلغاء نتائج دائرة إسنا وأرمنت والأقصر رسميا
"الإدارية العليا" تقرر إلغاء نتائج دائرة إسنا وأرمنت والأقصر رسميًا
IMG-20251130-WA0016
بطلان انتخابات النواب بدائرة البلينا بسوهاج ودخولها الإعادة
الإدارية العليا
عاجل.. بطلان نتيجة انتخابات النواب بدائرة الهرم في الجيزة
images (12)
رد فعل مفاجئ من رئيس بنفيكا البرتغالي على تصريحات نجم النصر السعودي

أقرأ أيضًا

الإدارية العليا
عاجل.. رفض 100 طعن على نتائج النواب من أصل 187.. وهذه التفاصيل
حزب المحافظين
بين الاستقالة والفوز والجدل.. ماذا يحدث في حزب المحافظين؟
مجلس النواب
3 سيناريوهات أمام "الإدارية العليا" بشأن الانتخابات.. أيها سيكتب الفصل الأخير؟
Screenshot_20251128_163746
“لافينواز” يخرج من رائحة الارستقراط.. ويلمع في وسط البلد