لم تكن رحلة السفينة السياحية “أم في هونديوس” من سواحل الأرجنتين نحو “الرأس الأخضر” مجرد نزهة بحرية عابرة، بل تحولت في غضون أيام إلى ساحة لمواجهة مجهرية شرسة أعادت للأذهان ذكريات العالم مع “سفن الموت” إبان جائحة كورونا.
فمع تأكيد 3 وفيات غامضة وإصابة بريطاني يصارع الموت في العناية المركزة بجنوب إفريقيا، استيقظ “فيروس هانتا” من سباته ليضع الملاحة الدولية من جديد في مهب الريح.
كواليس الرعب فوق المحيط
من قلب الأمواج المتلاطمة في المحيط الأطلسي، بدأت التقارير تتسرب عن وقوع وفيات مفاجئة لزوجين من هولندا ومواطن ألماني، ورغم محاولات التهدئة، إلا أن منظمة الصحة العالمية أعلنت حالة التأهب بعد ثبوت إصابة مواطن بريطاني بسلالة من فيروس “هانتا”.
السفينة التي غادرت “أوشوايا” بالأرجنتين، أصبحت الآن بؤرة اهتمام دولية، مع استمرار التحقيقات في 5 حالات أخرى مشتبه بها، مما أثار موجة من القلق حول مصير مئات الركاب الذين قد يكونون “قنابل موقوتة” تحمل الفيروس دون علمهم.
لغز الوفيات و فخ التغطية الإعلامية
وفي تصريحات خاصة لـ “القصة”، كشف الدكتور وليد فيصل، أستاذ الميكروبيولوجيا وصحة الفيروسات، الحقائق العلمية الغائبة خلف هذا التفشي، حيث أكد أن الفيروس ليس وليد اللحظة، بل هو “عدو قديم” معروف في الأوساط الطبية بارتباطة الوثيق بالقوارض.
وأوضح فيصل أن “الضجة المثارة حول تحول الفيروس لتهديد دولي تفتقر للدقة العلمية، فالفيروس لا ينتقل بسهولة بين البشر، بل يحتاج لاتصال مباشر مع فضلات القوارض أو استنشاق هواء ملوث بجزيئاتها”، وأضاف أن وقوع الإصابات في مكان مغلق كالسفينة السياحية هو ما أعطى الحدث طابعاً درامياً، مؤكداً أن الوفيات تعكس “شراسة” السلالة في تدمير الرئتين والكلى لدى الأفراد المصابين، وليس قدرتها على الانتشار الوبائي الواسع.
ثغرة الـ 8 أسابيع.. لماذا قد تظهر إصابات جديدة؟
واحدة من أخطر النقاط التي كشفها فيصل لـ “القصة” هي “فترة الحضانة” المحيرة للفيروس، والتي قد تمتد لشهرين كاملين هذا يعني أن كل شخص كان على متن السفينة قد يكتشف إصابته بعد أسابيع من عودته لمنزله.
ومع ذلك، يشدد فيصل على أن هذا الاحتمال لا يعني وجود “موجة وبائية”، بل هو مجرد ظهور تدريجي لنتائج تعرض سابق للعدوى، مما يجعل السيطرة عليه أسهل بكثير من الفيروسات التنفسية التي تنتقل عبر الرذاذ أو اللمس بين البشر.
حقيقة منع السفر وتوصيات منظمة الصحة
بينما تضج منصات التواصل الاجتماعي بشائعات حول حظر الطيران وإغلاق الموانئ، تؤكد المعطيات الرسمية وتصريحات الخبراء على غياب أي مبرر علمي لهذه الخطوات.
كما أكد فيصل خلال حديثه قائلاً: “لا مبرر لاتخاذ إجراءات استثنائية أو فرض قيود على السفر”، مشيراً إلى أن منظمة الصحة العالمية لم تصدر أي تحذير بفرض حظر، نظراً لانخفاض خطر انتقال العدوى بين الناس بشكل كبير، وأن مستوى القلق يجب أن يظل تحت السيطرة طالما يتم الالتزام بقواعد الوقاية والتعامل مع الفيروس بهدوء موضوعي.
هل نحن في خطر؟
واختتم فيصل حديثه قائلاً: فيروس “هانتا” قاتل لمن يصاب به، لكنه “ضعيف” في قدرته على غزو المجتمعات، القصة ليست في “كورونا جديدة”، بل في كيفية تأمين الرحلات السياحية الطويلة من “ضيوف غير مدعوين” القوارض قد يحملون الموت في فضلاتهم.
الرسالة الواضحة من المتخصص أن العالم لم يعد يحتمل ذعراً جديداً، والعلم يؤكد أن “هانتا” سيبقى حبيس السفن والمخازن المهجورة، طالما لم يجد قوارضاً تنقله، أو بشراً يستنشقون هواءه الملوث.