بينما تضج منصات التواصل وكواليس الدبلوماسية الدولية بأحاديث وهمية عن تفاهمات سرية وضغوط أمريكية نجحت في كبح جماح الغارات الإسرائيلية على بيروت جاء الميدان على الحدود اللبنانية ليحرق هذه الرواية في غضون ساعة واحدة، لتتجاوز الفكرة هنا مجرد تكذيب خبري لبروباجندا التهدئة بل تغوص في عمق تدهور تاريخي غير مسبوق في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب خلف الدخان المتصاعد من الغارات المتبادلة وصواريخ المقاومة، حيث تكشف القصة في هذا التقرير عن ملامح مرحلة جديدة من الوصاية والانتداب الأمريكي الكامل على القرار السياسي والعسكري الإسرائيلي مدفوعة بتوبيخ وإهانات علنية من إدارة ترامب لنتنياهو وفضح أمريكي متعمد للفشل الاستخباراتي والخسائر البشرية الفادحة التي يتكبدها جيش الاحتلال في محيط عقدة قلعة الشقيف تحت ضربات المسيرات والكمائن، كما نكشف كيف تحول حديث النصر التام لنتنياهو إلى مأزق استراتيجي يعيد هندسة السياسة الأمريكية في المنطقة بلغة خشنة لا تعرف الوعود الورقية.
الميدان يكذب البروباجندا: إفلاس أم حدث عملياتي؟
فكك الدكتور أحمد فؤاد أنور الخبير في الشأن الإسرائيلي الأبعاد الحقيقية للتطورات المتسارعة على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية نافيًا جملة وتفصيلًا ما تردد من شائعات حول استجابة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لطلب أمريكي بوقف الغارات الكبرى على بيروت أو وجود وعود متبادلة بعدم استهداف الجنود، وأوضح فؤاد أنور في حديثه للقصة أن الواقع الميداني نسف رواية التهدئة تمامًا مستشهدًا بما نقله الصحفي الإسرائيلي هليل روزين عبر القناة 14 العبرية والذي أكد أنه بعد ساعة واحدة من تداول تلك الأنباء شنت الطائرات الإسرائيلية غارات عنيفة وقابلتها رشقات صاروخية مكثفة من حزب الله استهدفت عددًا كبيرًا من المستوطنات، وأشار أنور إلى أن القراءة الإسرائيلية الداخلية للمشهد باتت محصورة بين احتمالين أحلاهما مر إما أن حكومة نتنياهو تحضر لحدث عملياتي كبير وضخم أو أنها تعاني من إفلاس استراتيجي خطير على حد وصف المحللين الإسرائيليين أنفسهم.
تدهور تاريخي: نتنياهو تحت الوصاية والانتداب الأمريكي
وأكد الخبير في الشأن الإسرائيلي أن هناك تحولًا نوعيًا وتاريخيًا غير مسبوق في النبرة الأمريكية تجاه تل أبيب حيث وصلت الأمور إلى حد توجيه توبيخ مباشر وإهانات صريحة لنتنياهو من قبل الإدارة الأمريكية، وأضاف أن تسريب هذه الإهانات إلى وسائل الإعلام الأمريكية مثل موقع أكسيوس عبر صحفيين مزدوجي الجنسية ولهم خلفيات استخباراتية في جيش الاحتلال له دلالات واسعة المدى وتؤكد أن الجانب الإسرائيلي بات يتحدث علنًا عن وجود وصاية أمريكية أو انتداب أمريكي كامل على القرار السياسي والعسكري الإسرائيلي.
خسائر بالجملة في لبنان وعقدة قلعة الشقيف تعود
وحول الوضع العسكري الميداني أوضح فؤاد أنور أن الجانب الإسرائيلي يتكبد خسائر فادحة جراء الحماقة التي يرتكبها نتنياهو في لبنان مؤكدًا أن زمن الاجتياحات السهلة والإنجازات المجانية قد ولى بلا رجعة، وقال أنور إن جيش الاحتلال لم يجد في جنوب لبنان أي إنجاز عسكري يحسب له سوى محاولة احتلال قلعة الشقيف بوفور وهي التي تبعد 4 كيلومترات فقط عن الحدود الدولية ومع ذلك يتكبد هناك حتى الآن خسائر فادحة في الأرواح والعتاد بسبب كمائن المقاومة والعبوات الناسفة وسلاح المسيرات الحيوية المتطورة التي تعمل بالألياف الضوئية ليلًا ونهارًا.
فضح الفشل الاستخباراتي الإسرائيلي
وكشف الخبير الإسرائيلي عن تعمد الجانب الأمريكي فضح الفشل الإسرائيلي في هذا التوقيت بالذات حيث سمحت واشنطن بتسريب معلومات حول تعرض موقع أمريكي استخباراتي حساس تابع للوحدة 9900 بالمخابرات الحربية الإسرائيلية ومختفي في هيئة عمارة سكنية لضربة بصاروخ باليستي إيراني، وهو ما اعتبره أنور ضغطًا أمريكيًا علنيًا على الداخل الإسرائيلي الذي يتبجح فيه نتنياهو بحديث وهمي عن النصر التام أو دحر إيران.
تحول سياسات ترامب.. من زيلينسكي إلى إسرائيل
وفي ختام حديثه للقصة أشار فؤاد أنور إلى أن هذا التحول في سلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه حلفائه التقليديين يعيد إلى الأذهان ذات السيناريو والموقف الحاد الذي واجه به الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حينما وبخه علنًا بعبارات جارحة وقاسية وصلت لحد استخدام ألفاظ نابية اضطرت بعض المواقع لوضع نقاط مكانها، واختتم قائلًا إن المؤشرات الدولية تتلاحق ولعل مقاطعة عمدة نيويورك للمسيرة السنوية الداعمة لإسرائيل لأول مرة منذ أكثر من 60 عامًا هي دليل قاطع على أن الفاتورة الكبيرة التي تدفعها إسرائيل في الميدان بدأت تعزلها سياسيًا وتجبر الإدارة الأمريكية الجديدة على إعادة هندسة توازناتها بعيدًا عن أوهام نتنياهو.