أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

في الـ12 عامًا وصار البيت ينتظر راتبه.. حكاية طفل توصيل الطلبات

في الـ12 من عمره، كان المفترض أن يحمل حقيبته المدرسية ويتجه إلى الصف الثاني الإعدادي، وأن يقضي يومه بين زملائه ودفاتره وملعب المدرسة. لكن طفلًا آخر حمل دراجة وخرج بها إلى الشوارع، بحثًا عن 100 جنيه في اليوم، بعدما دفعته ظروف أسرته إلى العمل عامل توصيل.

لم يكن الأمر مجرد ساعات قليلة يقضيها في الشارع، فكل طلب يتعذر عليه توصيله يعني خصم 25 جنيهًا من أجره، حتى لو كان سبب عدم التسليم متعلقًا بالعميل نفسه. لذلك قد يجد نفسه مضطرًا إلى الانتظار طويلًا أمام منزل أو محل، فقط لأن العميل تأخر أو انشغل قليلًا، بينما عداد الوقت والأجر يسيران في اتجاهين متعاكسين.

القصة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي في منشور أثار تفاعلًا واسعًا، ليس فقط لأن بطلها طفل لم يكمل عامه الثاني عشر، ولكن لأن تفاصيل حياته بدت كأنها تختصر مأساة أكبر: طفل صغير يتحمل مسؤولية اقتصادية تفوق عمره، بعدما غاب والده وسافر إلى ليبيا.

أخبار ذات صلة

IMG_20260829_150639
ليلة النار بـ نيامي.. ماذا حدث في النيجر خلال الساعات الماضية؟
نقابة الصحفيين
"الصحفيين" تتضامن مع طارق الشناوي: حق النقد يمثل جزءًا أصيلًا من حرية التعبير
55cc521e-bfe4-427d-a77b-ccbae27ccd4c-1 copy
رئاسةٌ مستحقَّة وقيادة فاهمة !

لم يكن السؤال الذي تركته القصة متعلقًا بالـ100 جنيه التي يحصل عليها الطفل في نهاية يومه فقط، وإنما بما يدفعه في المقابل؛ ساعات طويلة في الشارع، وحرمان من طفولة يفترض أن يعيشها، ومسؤولية اقتصادية لم يكن من المفترض أن تقع على كتفيه في هذا العمر.

حين يصبح الطفل «رجل البيت»

عندما يصبح طفل في الثانية عشرة معيلًا فعليًا لأسرته، فإنه يعيش تناقضًا قاسيًا؛ جسده وعمره واحتياجاته تقول إنه طفل، بينما الواقع يطالبه بأن يكون رجلًا وأبًا وأحيانًا حاميًا لإخوته. بهذه الكلمات بدأ الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، حديثه لـ«القصة»، موضحًا أن هذا الوضع قد ينتج عنه «النضج القسري المبكر»، حيث يتعلم الطفل المسؤولية قبل أن يعيش طفولته، إلى جانب القلق المزمن لأنه يشعر بأن أمن الأسرة مرتبط بقدرته على العمل والإنفاق.

ولا يتوقف الأمر عند القلق، بحسب فرويز، إذ قد يشعر الطفل بالذنب إذا مرض أو تعب أو لم يستطع توفير المال، فضلًا عن الغضب المكبوت تجاه الأب أو الأسرة أو المجتمع، لكنه يجد صعوبة في التعبير عنه لأنه يشعر أنه «لا يملك رفاهية الانهيار».

ومع الوقت، قد يصل الأمر إلى اضطراب في الهوية، فيسأل الطفل نفسه: «من أنا؟ هل أنا ابن أم أب؟ أخ أم مسؤول عن إخوتي؟»، خصوصًا مع حرمانه من اللعب والتعليم والعلاقات الطبيعية، وهي عناصر أساسية في نموه النفسي.

وقد يبدو هذا الطفل أمام الآخرين «قويًا جدًا ومسؤولًا»، بينما يخفي داخله خوفًا وحزنًا وإرهاقًا شديدًا.

ويشير فرويز إلى أن المراجعة العلمية الحديثة حول مفهوم «Parentification» تصف الحالة بأنها تشوه في علاقة الطفل بالأسرة عندما يُلزم بمسؤوليات الوالدين على حساب احتياجاته الشخصية، وترتبط بنتائج مثل الضيق النفسي والعاطفي، ومشكلات العلاقات، وتأثيرات في تكوين الهوية والرفاه النفسي.

غياب الأب.. وانقلاب الأدوار

في الأسرة الطبيعية، ينتقل الدعم والمسؤولية الأساسية من الكبار إلى الصغار؛ الأب والأم يوفران الرعاية والحماية، بينما يتلقى الأطفال هذا الدعم. لكن عندما يغيب الأب أو يتخلى عن دوره، ومع غياب البدائل الاجتماعية والاقتصادية، قد ينقلب اتجاه المسؤولية.

ويقول فرويز إن الطفل قد يتحول في هذه الحالة إلى من يعمل وينفق ويحاول حماية الأم والإخوة، فلا يصبح مجرد «طفل يساعد أسرته»، وإنما قد يتحول نفسيًا إلى رجل البيت قبل أن يصبح رجلًا.

وهنا يفرق استشاري الطب النفسي بين مشاركة الطفل في بعض المسؤوليات المناسبة لعمره، والتي يمكن أن تعزز الاعتماد على النفس، وبين تحميله مسؤولية إعالة الأسرة وبقائها، وهو ما قد يأتي على حساب التعليم والنمو والصحة النفسية.

وتؤكد منظمة العمل الدولية أن عمل الأطفال يصبح مشكلة عندما يكون ضارًا بنمو الطفل أو يتداخل مع تعليمه، مثل إجباره على ترك المدرسة أو الجمع بينها وبين ساعات عمل طويلة ومرهقة.

لكن أزمة الطفل لا تنتهي عند حدود نفسيته أو علاقته بأسرته؛ فدخوله سوق العمل في سن مبكرة قد يفتح دائرة أخرى أكثر قسوة.

طفل يعمل.. وفقر يمتد

يرى فرويز أن تخلي الأب عن المسؤولية، أو انخفاض دخل الأسرة واضطرابه، قد يدفع الطفل إلى العمل والإنفاق، ثم يؤدي ذلك إلى الغياب عن المدرسة أو ضعف التحصيل أو التسرب منها، وهو ما يعني انخفاض المهارات وفرص الحصول على عمل جيد مستقبلًا.

وبمرور الوقت، قد يصبح الطفل الذي عمل صغيرًا بالغًا بفرص أقل في سوق العمل، بما يزيد احتمالات استمرار الفقر وانتقال الحرمان إلى أسرته وأطفاله في المستقبل.

ولا يرى فرويز أن هذه مجرد فرضية اجتماعية، فالفقر من أهم دوافع عمل الأطفال، وفي المقابل يؤدي العمل الذي يعوق التعليم إلى إضعاف فرص الأطفال مستقبلًا في الحصول على عمل جيد، بما قد يساهم في استمرار الفقر عبر الأجيال.

وبحسب تقديرات منظمة العمل الدولية واليونيسف المنشورة عام 2025، كان نحو 138 مليون طفل حول العالم منخرطين في عمل الأطفال خلال عام 2024، من بينهم نحو 54 مليونًا في أعمال خطرة، مع ارتباط واضح بين الفقر وضعف الوصول إلى التعليم وعمل الأطفال واستمرار الحرمان بين الأجيال.

لكن هل غياب الأب وحده هو الذي يدفع طفلًا إلى العمل؟

الإجابة، بحسب الدكتور إلهامي الميرغني، الخبير الاقتصادي، ليست بهذه البساطة.

عندما لا يكفي دخل الأسرة

يقول الميرغني في حديثه مع «القصة» إن «غياب الأب ليس شرطًا لعمالة الأطفال»، موضحًا أن الأب قد يكون موجودًا ويعمل، لكن دخله لا يغطي تكاليف معيشة الأسرة.

ويضيف: «لدينا أكثر من 4.5 مليون طفل عامل في مصر وفق تقرير منظمة العمل الدولية، ويوجد حوالي 900 ألف طفل يعملون في مهن خطرة».

وقد يعمل الأب والأم معًا، لكن دخلهما يظل غير كافٍ لتغطية الاحتياجات الأساسية، فتبدأ الأسرة في الاعتماد على دخل الطفل لتوفير جزء من احتياجاتها.

ويقول الميرغني إن زيادة عمالة الأطفال تعد دليلًا على أن شبكة الحماية الاجتماعية وتكافل لا تغطي كل الأسر المحتاجة، كما أن قيمتها قد لا تغطي الاحتياجات الأساسية للأسرة.

وفي هذه الحالة، لا يصبح الطفل عاملًا لأن الأسرة اختارت له هذا الطريق بالضرورة، وإنما لأن قدرتها على توفير احتياجاتها تراجعت أمام الغلاء وارتفاع الأسعار.

ويختتم الميرغني حديثه بالتأكيد على أنه «يمكن اعتبار اعتماد الأسرة على دخل الطفل نتيجة مباشرة لتراجع قدرة الأسرة على توفير احتياجاتها»، موضحًا أنه في ظل الغلاء وارتفاع الأسعار تعجز الأسر عن توفير احتياجاتها الأساسية، ولذلك تعتمد على تشغيل الأطفال لتوفير دخل يغطي جانبًا من الاحتياجات، «ورغم ذلك تظل هناك احتياجات لا تستطيع الأسرة تغطيتها».

من ينقذ الطفل؟

قصة طفل الـ12 أعادت إلى الواجهة سؤالًا أكبر من تفاصيل أجره اليومي أو عدد الطلبات التي يوصلها؛ ماذا يحدث عندما يصبح دخل الطفل جزءًا من ميزانية أسرة لا تستطيع الصمود بدونه؟

يرى فرويز أن الحل لا ينبغي أن يقتصر على عبارة «امنعوا الطفل من العمل»، لأن السؤال الذي ستواجهه الأسرة حينها بسيط وقاسٍ: «ومن سيأكل إذن؟».

لذلك، بحسب استشاري الطب النفسي، يجب أن يتحرك التدخل على أكثر من مستوى؛ بداية من حماية دخل الأسرة ودعمها اقتصاديًا، وتوفير فرص عمل مناسبة للبالغين، وتقديم المساعدات أو التحويلات الاجتماعية عند الحاجة، حتى لا يصبح دخل الطفل شرطًا لبقاء الأسرة.

كما يجب أن تكون حماية الطفل من التسرب وإبقاؤه في التعليم أو إعادته إليه جزءًا أساسيًا من الحل، مع معالجة تكاليف الدراسة والمواصلات والاحتياجات التي قد تدفع الأسرة إلى تفضيل الدخل الفوري على التعليم.

وفي حال غياب الأب، يرى فرويز أن الأم والأسرة الممتدة والمؤسسات الاجتماعية والمدرسة يمكن أن تتقاسم المسؤولية، بدلًا من ترك الطفل ليملأ الفراغ وحده.

أما الطفل الذي عاش سنوات وهو «أب صغير»، فيحتاج إلى مساحة يعود فيها إلى دوره الطبيعي؛ طفلًا له الحق في الخوف والتعب واللعب والطلب والاعتماد على الآخرين.

وربما تكون الرسالة الأهم، بحسب فرويز، هي إعادة تعريف معنى الرجولة والمسؤولية. فمن الخطأ أن نقول لهذا الطفل: «أنت بطل لأنك نسيت نفسك من أجل الجميع»، والأصح أن نقول له: «أنت شجاع لأنك تحملت ما لا ينبغي لطفل في عمرك أن يتحمله، لكن شجاعتك لا تعني أن المجتمع والأسرة يحق لهما الاستمرار في تحميلك هذا العبء».

في النهاية، قد تبدو حكاية طفل التوصيل قصة فردية بدأت بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها في الحقيقة تفتح بابًا على أزمة أكبر؛ أطفال يحملون مسؤوليات الكبار، وأسر تكافح لتوفير احتياجاتها، وسوق عمل يستقبل الصغار قبل أن تكتمل طفولتهم.

وبينما يمضي طفل في الثانية عشرة بدراجته بين الطلبات، يظل السؤال معلقًا: كم طفلًا آخر يحمل عبء أسرته على كتفيه، بينما يفترض أن يكون العبء الأكبر الذي يعرفه هو حقيبته المدرسية؟

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

ناجي العلي وحنظلة
ناجي العلي.. من قال لا في وجه من قالوا نعم!
images (1)
431 جنيهًا.. الرقم الذي لا يحكي سعر اللحوم في الأسواق
حسين عبد الرحمن حمّاد
الخوارزميات وطائرات الموت.. كيف هندس الذكاء الاصطناعي “الإبادة الجماعية” في غزة؟
من ذاكرة التاريخ
من ذاكرة التاريخ

أقرأ أيضًا

سوق الخضار والفاكهة
استقرار أسعار الخضروات والفاكهة.. والطماطم تبدأ لعبة الارتفاع
Oplus_131072
انخفاض حاد في أسعار الذهب اليوم.. "اشترِ بسرعة"
أخبار الطقس اليوم
نشاط رياح وارتفاع أمواج.. تعرف على حالة الطقس اليوم السبت
IMG_4173
قيس سعيد على خطى "بن علي".. حين تصبح المؤامرة "خطابًا أخيرًا" للسلطة