تتزايد المخاوف من اتساع نطاق التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة، في وقت يواجه فيه مسار التهدئة اختبارات متكررة بسبب استمرار الخروقات الإسرائيلية، وسط تعثر الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات.
وبينما تتمسك الفصائل الفلسطينية بالتهدئة، تبدو الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، وعلى رأسها الانتخابات المقبلة، عاملاً مؤثرًا في توجهات حكومة بنيامين نتنياهو
خروقات إسرائيلية متواصلة تقوض التهدئة
قال الدكتور مخيمر المحلل السياسي والمتخصص في الشأن الأسرائيلي ل”القصة”إن التصعيد الإسرائيلي الحالي لا يعني بالضرورة انهيار مسار التهدئة، مشيرًا إلى أن إسرائيل هي الطرف الذي يواصل خرق اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في 10 أكتوبر 2025.
وأوضح أن أكثر من 1300 فلسطيني قُتلوا منذ بدء وقف إطلاق النار، إضافة إلى أعداد كبيرة من الجرحى، فضلًا عن استمرار تعديل الخط الأصفر وهدم المنازل، معتبرًا أن هذه التطورات تعكس استمرار الانتهاكات الإسرائيلية رغم إعلان التهدئة.
وأضاف أن حركة حماس والفصائل الفلسطينية لا تمتلك، في الوقت الراهن، القدرات العسكرية التي تمكنها من الرد على هذه الخروقات، ولذلك تواصل المطالبة بتدخل الولايات المتحدة والوسطاء للضغط على إسرائيل من أجل الالتزام بمسار التهدئة.
نتنياهو يربط التصعيد بحسابات الانتخابات
وأشار الدكتور مخيمر إلى أن الانتخابات الإسرائيلية المقرر إجراؤها في 27 أكتوبر المقبل تمثل أحد أهم العوامل وراء التصعيد الحالي، موضحًا أن نتنياهو يخوض، من وجهة نظره، معركة سياسية ومصيرية يسعى خلالها إلى ضمان بقائه في السلطة.
وأكد أن خسارة نتنياهو للانتخابات قد تفتح الباب أمام مواجهته للملاحقات القضائية والقضايا الجنائية التي يواجهها داخل إسرائيل، بينما يمنحه الفوز فرصة أكبر لتجنب تداعيات سياسية وقضائية خطيرة.
وأضاف أن نتنياهو يسعى كذلك إلى مواجهة الانتقادات التي توجهها إليه المعارضة الإسرائيلية، والتي تتهمه بعدم تحقيق أهداف الحرب في غزة ولبنان، فضلًا عن تراجع دوره في ملفات إقليمية أخرى، معتبرًا أن التصعيد قد يكون محاولة لإظهار قدرته على اتخاذ قرارات أمنية وعسكرية حاسمة.
لا مفاوضات جديدة بعد تعثر خارطة الطريق
وأوضح الدكتور مخيمر أن الحديث عن مفاوضات جارية في الوقت الراهن ليس دقيقًا، مشيرًا إلى أن المفاوضات الأخيرة تركزت حول خارطة الطريق التي قدمها ميلاد نوف، والتي تضمنت مجموعة من البنود المتعلقة بترتيبات المرحلة المقبلة في غزة.
وأضاف أن حماس كانت تتحفظ على بندين أساسيين يتعلق أحدهما بموظفي الحركة في القطاع، بينما يرتبط الآخر بنزع سلاح حماس والفصائل أو تخزين هذا السلاح، قبل أن توافق الحركة والفصائل الفلسطينية على خارطة الطريق.
وأشار إلى أن المشكلة، بحسب رؤيته، انتقلت إلى الجانب الإسرائيلي، بعدما رفض نتنياهو الخطة، مؤكدًا أنه لا انسحاب إسرائيلي من غزة ولا إعادة إعمار للقطاع قبل نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية بالكامل، وهو ما أدى إلى تعطيل المسار التفاوضي.
واشنطن تملك أدوات الضغط على إسرائيل
وقال الدكتور مخيمر إن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تمتلك الأدوات اللازمة لممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل، بالنظر إلى الدعم العسكري والتمويل الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل، إلى جانب دورها في مجلس الأمن الدولي.
وأوضح أن واشنطن تستطيع، نظريًا، استخدام هذه الأدوات للضغط على الحكومة الإسرائيلية من أجل وقف التصعيد والالتزام بخطة التهدئة، إلا أن الحسابات السياسية المرتبطة بانتخابات نتنياهو تبدو حاضرة في الموقف الأمريكي.
وأضاف أن بعض المصادر الإسرائيلية تتحدث عن وجود موافقة أمريكية على استمرار استهداف قيادات عسكرية في حماس مرتبطة بهجوم السابع من أكتوبر، وهو ما قد يعكس، بحسب تقديره، نوعًا من التفاهم الأمريكي الإسرائيلي بشأن استمرار العمليات ضد بعض قيادات الحركة.
التصعيد قد يستمر حتى موعد الانتخابات
واستبعد الدكتور مخيمر اندلاع جولة حرب واسعة جديدة، مؤكدًا أن الفصائل الفلسطينية لم تعد تمتلك القدرات العسكرية التي تمكنها من خوض مواجهة مع الجيش الإسرائيلي بالحجم الذي شهدته المراحل الأولى من الحرب.
ورجح أن يستمر التصعيد الإسرائيلي بصورة محدودة ومتقطعة حتى موعد الانتخابات، عبر عمليات استهداف واغتيال تحت مبررات إسرائيلية تتعلق بمنع هجمات محتملة ضد إسرائيل.
وأشار إلى أنه منذ وقف إطلاق النار لم تنفذ حماس أو الفصائل الفلسطينية عمليات عسكرية ضد إسرائيل أو الجيش الإسرائيلي، معتبرًا أن ذلك يؤكد أن التصعيد الحالي يأتي أساسًا من الجانب الإسرائيلي.
التهدئة أمام اختبار صعب.. والفصائل تتجنب الرد
وأكد مخيمر أن ما يحدث لا يعني بالضرورة انهيار التهدئة بصورة كاملة، لكنه يعكس استمرار عدم التزام إسرائيل بخطة ترامب وخارطة الطريق المقترحة.
وأوضح أن استمرار عمليات القتل والاغتيال يمثل تقويضًا عمليًا للتهدئة، لكنه استبعد أن تقدم الفصائل الفلسطينية على رد عسكري واسع، لأن أي رد قد تستخدمه إسرائيل ذريعة للعودة إلى حرب شاملة، بما يعنيه ذلك من قصف واسع وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا الفلسطينيين.
واختتم الدكتور مخيمر بالتأكيد على أن الفصائل الفلسطينية تبدو أمام خيار شديد الصعوبة، يتمثل في تحمل الخروقات الإسرائيلية وتجنب الرد العسكري للحفاظ على ما تبقى من مسار التهدئة، بينما تستمر إسرائيل في استغلال الحسابات السياسية والانتخابية لتبرير عملياتها العسكرية.